استكمالًا لسلسلة ماذا يقرأ المشاهير، التي بدأها اليوم السابع، نفتح هذه المرة مكتبة الفنان الراحل نور الشريف، في ذكرى رحيله الـ11، إذ يعد أحد أبرز نجوم السينما والدراما المصرية، الذي لم تكن القراءة بالنسبة إليه مجرد هواية يمارسها في أوقات الفراغ، وإنما جزءًا أساسيًا من تكوينه كممثل ومثقف.
كان نور الشريف قارئًا من نوع خاص فمكتبته التي أُهديت إلى مكتبة الإسكندرية بعد رحيله، كشفت عن مئات الكتب في الأدب والفن والفلسفة والسياسة، وعن طقوس دقيقة في القراءة، إذ كان يسجل تاريخ بداية الكتاب ونهايته، وأحيانًا مكان القراءة، ويضع خطوطًا تحت الفقرات التي تستوقفه، ثم يكتب ملاحظاته وانطباعاته بالقلم الرصاص على هوامش الصفحات.
وكشف الشريف في حوارات ولقاءات سابقة له عن أبرز الكُتب التي تركت أثرًا فيه، كما تحدث عن المسرح اليوناني وويليام شكسبير، ووصفه بأنه عمود فقري في تكوينه وموسوعته في الدراية الإنسانية، كما وضع إلى جواره في التأثير دوستويفسكي ونجيب محفوظ، وأشار إلى كتابات محمد حسنين هيكل وتحليلاته السياسية.
ومن بين هذه القائمة نستعرض خمسة أعمال ارتبطت بشكل واضح بقراءة نور الشريف وتكوينه الفني.
شكسبير.. البداية التي رافقته طوال حياته
لم يكن الكاتب الإنجليزي وليام شكسبير بالنسبة لنور الشريف مجرد اسم في مكتبة، وإنما مدرسة كاملة في فهم الإنسان، حيث كان ارتباطه به عمليًا منذ سنوات الدراسة في معهد الفنون المسرحية، إذ قدم شخصية هاملت في مشروع تخرجه، كما شارك في روميو وجولييت، وسبق أن أدى شخصية هوراشيو في هاملت مع المسرح العسكري.
وكان الشريف يرى في أعمال شكسبير مساحة واسعة لفهم النفس البشرية، بما تحمله من صراعات وطموحات وخوف وحب وانتقام، وهي العناصر التي يحتاج إليها الممثل قبل أن يبدأ في بناء الشخصية.
الجريمة والعقاب.. دوستويفسكي الذي تحول إلى مشروع سينمائي
كان فيودور دوستويفسكي من الأسماء التي وضعها نور الشريف ضمن أهم مصادر تكوينه، لكن العلاقة بين الفنان والكاتب الروسي تجاوزت القراءة إلى محاولة تحويل إحدى أهم رواياته إلى مشروع فني.
فخلال سنوات الدراسة في المعهد، عشق الشريف رواية الجريمة والعقاب، حتى إنه قرر أن يقدمها خصيصًا لأحمد زكي، وظل متحمسًا للمشروع، قبل أن تتحول الرواية لاحقًا إلى فيلم سونيا والمجنون، الذي شارك نور الشريف في بطولته مع محمود ياسين.
الحرافيش.. نجيب محفوظ كما رآه نور الشريف
إذا كان شكسبير قد منحه مفاتيح النفس البشرية، فإن نجيب محفوظ منحه عالمًا مصريًا كاملًا يستطيع أن يرى نفسه وشخصيات مجتمعه داخله.
قال نور الشريف إن نجيب محفوظ كان من أكثر الكتاب تأثيرًا في تكوينه، ولم يكن ذلك مجرد إعجاب أدبي، فقد قدم عددًا كبيرًا من الشخصيات المستوحاة من عالم محفوظ، بداية من كمال عبد الجواد في قصر الشوق، مرورًا بشخصيات أخرى في الكرنك وقلب الليل وأهل القمة، وصولًا إلى عالم الحرافيش.
الجليد.. كتاب قرأه وانتقده
تكشف رواية الجليد لصنع الله إبراهيم جانبًا آخر من شخصية نور الشريف كقارئ وناقد، فبحسب طارق الطاهر في كتابه خزائن الأسرار، قرأ الشريف الرواية في يوم واحد بالإسكندرية، وسجل تاريخ بداية القراءة ونهايتها، ثم كتب على الصفحة الداخلية تقييمه الصريح، أقل أعمال صنع الله إبراهيم قيمة.
ورغم أن الرواية لم تنل إعجابه، فإن طريقة تعامله معها تكشف شيئًا مهمًا نور الشريف لم يكن يقرأ الكتب باعتبارها نصوصًا مقدسة لا يجوز الاختلاف معها، بل كان يناقشها ويحاكمها ويكتب رأيه عليها، تمامًا كما يفعل ناقد محترف.
كتب محمد حسنين هيكل.. الثقافة السياسية خارج حدود الفن
لم تتوقف قراءات نور الشريف عند الرواية والمسرح، فقد كان مهتمًا أيضًا بالسياسة والتحليل، ووضع كتابات الصحفي والمفكر محمد حسنين هيكل ضمن مصادر تكوينه الفكري.
وفي حديثه عن أكثر من أثروا فيه، ذكر الشريف هيكل إلى جانب شكسبير ودوستويفسكي ونجيب محفوظ، مشيرًا تحديدًا إلى كتاباته وتحليلاته السياسية.
ومن هنا تكشف مكتبة نور الشريف الواسعة أن علاقته بالكتب لم تكن منفصلة عن عمله أمام الكاميرا، فكان يقرأ، ويضع علامات على النص، ويسجل ملاحظاته، ثم يحاول استخدام ما يقرأه في بناء الشخصيات، فالكتاب بالنسبة له كان وسيلة لفهم الإنسان، وهي المهمة التي ظل يؤديها على الشاشة حتى آخر أعماله.

نور الشريف