ماذا لو لم يكن القاتل هو الشخص الذي أطلق الرصاصة؟ وماذا لو كانت الجريمة قد بدأت قبل لحظة القتل بسنوات، في عقل رجل آخر ظل بعيدًا عن المشهد، يزرع الأفكار، ويغذي النزوات، ويدفع شخصًا إلى هاوية لم يعرف أنه يسير إليها؟
من هذا السؤال المثير تنطلق الروائية منى خليل في روايتها "خادم الأمير الشرقي"، مستعيدة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في عشرينيات القرن العشرين، قضية مقتل على فهمي على يد زوجته الفرنسية مارجريت، وهي القضية التي شغلت الصحافة المصرية والأوروبية، وتحولت إلى حديث واسع بسبب ملابساتها وشخصياتها وعالمها المترف والمضطرب.
لكن منى خليل لا تقف عند القصة التي عرفها الناس، ولا تكتفي بإعادة سرد حادثة القتل أو محاكمة مارجريت، وإنما تفعل شيئًا أكثر جرأة: تزيح الستار عن شخصية ظلت في الظل، وتضعها في قلب الحكاية.
إنه سعيد العنانى.
ذلك الرجل الذي تقدمه الرواية باعتباره تابع على فهمي ومدير أعماله، لكنه سرعان ما يتجاوز حدود وظيفة التابع ليصبح عقلًا خفيًا مؤثرًا في حياة "الأمير الشرقي".
وهنا تبدأ اللعبة الروائية الحقيقية، فمن هو السيد ومن هو الخادم؟ ومن الذي كان يملك الآخر؟
علي فهمي يملك المال، وسعيد العنانى يملك المعرفة، الأول يعيش في الضوء، والثاني يتحرك في الظل، الأول يمتلك القدرة على الإنفاق، والثاني يمتلك القدرة على التأثير، ومن هذه المفارقة تبني منى خليل واحدًا من أكثر الأسئلة إثارة في الرواية: هل السلطة دائمًا لمن يملك المال، أم قد تكون أحيانًا لمن يعرف كيف يحرك صاحب المال؟
عنوان الرواية نفسه يحمل مفتاحًا مهمًا، «خادم الأمير الشرقي» ليس مجرد توصيف اجتماعي لعلاقة بين رجل ثري وتابعه، وإنما يبدو عنوانًا يقوم على المفارقة. فربما كان الخادم أكثر معرفة بالأمير من الأمير نفسه، وربما كان الرجل الذي يقف خلف الستار أكثر قدرة على صناعة الأحداث من الرجل الذي يحتل مقدمة المسرح.
وهذه ليست فكرة روائية بعيدة عن التاريخ، ففي قصور الملوك والأمراء، كان أصحاب المناصب القريبة من الحاكم يعرفون أسراره ونقاط ضعفه وعلاقاته، وأحيانًا كانت هذه المعرفة تمنحهم نفوذًا يتجاوز حدود مناصبهم الرسمية. ولذلك فإن «الخادم» قد يكون في بعض الأحيان أحد أخطر رجال السلطة، لأنه يرى ما لا يراه الآخرون.
وفي «خادم الأمير الشرقي» يتحول هذا المعنى إلى بنية درامية، سعيد العنانى لا يحتاج إلى أن يكون بطلًا في الواجهة. قوته في غيابه النسبي عنها. إنه يتحرك مثل لاعب شطرنج لا يهمه أن يعرف الجمهور اسمه بقدر ما يهمه أن تتحرك القطع وفق خطته.
أما علي فهمي، فيظهر بوصفه شابًا شديد الثراء، عاش في عالم من اللهو والسفر والنساء والمتع، وهو عالم يمكن أن يكون ساحرًا من الخارج لكنه يحمل في داخله بذور السقوط.
وهنا تقدم الرواية قراءة اجتماعية مهمة للثروة، فالمال ليس دائمًا خلاصًا، وقد يكون المال، حين لا يصاحبه وعي أو نضج، أحد أكثر الأشياء خطورة على صاحبه، إن الإنسان الذي يستطيع شراء كل شيء قد يصل في النهاية إلى اللحظة التي يعجز فيها عن شراء أهم شيء: السيطرة على نفسه، وعلي فهمي، كما تقدمه الرواية، يعيش هذه المفارقة، إنه يملك العالم تقريبًا، لكنه لا يملك نفسه، ومن هذه النقطة يصبح ظهوره في حياة سعيد العنانى أكثر أهمية. فالشخصية الشابة الثرية والقابلة للتأثير يمكن أن تكون أرضًا خصبة للرجل الذي يعرف كيف يستثمر نقاط ضعف الآخرين.
وهنا يصبح سعيد العنانى أكثر من مدير أعمال، إنه صانع مزاج، وصانع قرارات، وربما، وفق الرؤية الروائية، صانع مصير، أما مارجريت فتدخل الحكاية من باب آخر، امرأة فرنسية تعرف عالم العلاقات والرجال، وتنجذب إلى الشاب المصري شديد الثراء، لكنه عندما يتزوجها لا يمنحها حياة الحرية التي ربما تخيلتها، وإنما يدخل معها في علاقة تتشابك فيها الغيرة والشك والرغبة في السيطرة.
وهنا تتحول العلاقة بين الزوجين إلى ساحة صراع، لم يعد الحب وحده هو الذي يحرك الشخصيات، هناك المال، والغيرة، والامتلاك، والخوف، والرغبة في الإفلات، والرغبة في السيطرة، وفي هذه البيئة المشحونة تقع الجريمة، لكن الرواية لا تريد أن تجعل الرصاصة نهاية الحكاية، بل تريد أن تجعلها بداية البحث.
من المسؤول؟
هل هي مارجريت التي أطلقت النار؟ هل هو علي فهمي الذي صنع بعلاقاته وسلوكه عالمًا من الصراع؟ أم سعيد العنانى الذي تقف شخصيته، وفق البناء الروائي، في المنطقة الأخطر بين الفعل والتحريض؟
هنا تدخل الرواية إلى منطقة أخلاقية شديدة التعقيد، فالمحرض لا يحمل السلاح بالضرورة، لكنه قد يحمل الفكرة، والفكرة، في بعض الأحيان، قد تكون أخطر من السلاح، وهذه إحدى النقاط التي تجعل شخصية سعيد العنانى مثيرة للاهتمام؛ لأنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر من القضية التاريخية نفسها: أين تنتهي مسؤولية الإنسان عن نفسه، وأين تبدأ مسؤوليته عن التأثير في الآخرين؟
هذا السؤال يجعل الرواية معاصرة رغم أنها تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، فنحن ما زلنا نعيش في عالم يتحكم فيه بعض الأشخاص في آخرين بالكلمة والنصيحة والإغراء والتلاعب النفسي، من دون أن يظهروا في الواجهة.
تتغير الأزمنة، لكن آليات السيطرة على الإنسان قد لا تتغير كثيرًا، ومن أجمل ما في المشروع أن منى خليل لا تنظر إلى الشخصيات بوصفها أسماء منفصلة عن عصرها، وإنما تضعها داخل عالم اجتماعي وثقافي شديد الثراء.
نحن أمام مصر في بدايات القرن العشرين، حين كانت النخب الثرية تعيش بين القاهرة وأوروبا، وتتحرك بين الفنادق الكبرى والقصور والمنتجعات، في عالم تتقاطع فيه الثقافة المصرية مع التأثيرات الأوروبية، وتتغير فيه مفاهيم الزواج والمرأة والثراء والحياة الاجتماعية.
وبذلك تصبح خلفية الرواية جزءًا من معناها، فالقضية ليست حكاية رجل وامرأة فقط، إنها حكاية طبقة اجتماعية كاملة، طبقة امتلكت المال، لكنها وجدت نفسها في مواجهة عالم جديد تتغير فيه القيم والعلاقات بسرعة.
ومن هنا تبدو الرواية محاولة لاستعادة «التاريخ من أسفل»، أو بالأدق التاريخ من خلف الستار، التاريخ الرسمي يهتم عادة بمن ظهر اسمه في الوثائق والمحاكم والصحف، لكن الأدب يستطيع أن يذهب إلى مناطق أخرى: إلى الأشخاص الذين ظلوا على هامش الصورة، وإلى الدوافع التي لا تسجلها الوثائق، وإلى الأسئلة التي لا تستطيع المحاضر القضائية وحدها الإجابة عنها.
وهنا تظهر أهمية الرواية التاريخية، فالروائي لا ينافس المؤرخ، إنه يكمل الأسئلة التي يتركها التاريخ مفتوحة، المؤرخ يقول لنا ماذا حدث، أما الروائي فيحاول أن يسأل: لماذا حدث؟ وماذا كان يحدث داخل نفوس الذين صنعوا الحدث؟وهذا بالضبط ما تحاول منى خليل أن تفعله في "خادم الأمير الشرقي"
وتأتي الرواية في سياق تجربة أدبية للكاتبة بدأت بإصدارات مثل «زينب والأيام الوهمية»، و«التاريخ الذكورى لدرة»، و«البرنس المجهول»، و«سرداب الأميرة سميحة»، و«شركة إعانة المجروحين»، وهي تجربة تكشف اهتمامًا واضحًا بالشخصيات غير التقليدية وبالمناطق التي يتقاطع فيها التاريخ مع الخيال والمجتمع والذاكرة.
كما أن وصول «التاريخ الذكورى لدرة» إلى القائمة القصيرة لجائزة طه حسين في الرواية المنشورة التي يقدمها نادي القصة بالقاهرة عام 2024 يمثل علامة مهمة في مسارها الأدبي، ويكشف عن حضور تجربتها في المشهد الروائي المصري المعاصر.
ومع «خادم الأمير الشرقي» يبدو أن الرهان أصبح أكثر صعوبة، فالكتابة عن واقعة تاريخية شهيرة تتطلب من الكاتب أن يوازن بين الوثيقة والخيال، وبين الحقيقة التاريخية والحق الروائي في إعادة بناء الشخصيات والأحداث، وهنا يجب على القارئ أن يميز دائمًا بين التاريخ كما تثبته الوثائق، والتاريخ كما تعيد الرواية تخيله.
وهذه ليست نقطة ضعف، بل هي جوهر الرواية التاريخية، فالروائي لا يقول بالضرورة: «هذا ما حدث»، إنه يقول: «ربما كان هناك ما لم نعرفه»، وهذه الـ«ربما» هي المساحة التي يولد فيها الأدب، في النهاية، لا تقدم «خادم الأمير الشرقي» سؤالًا عن قاتل وضحية فقط.
إنها تسأل عن صناعة المأساة، عن الرجل الذي يملك المال ولا يملك وعيه، وعن المرأة التي تدخل علاقة بحثًا عن الأمان فتجد نفسها داخل قفص، وعن رجل يقف في الظل، ويعرف كيف يحرك الآخرين، ولهذا فإن الرصاصة التي أنهت حياة علي فهمي ليست، في القراءة الأدبية، بداية القصة ولا نهايتها، إنها مجرد اللحظة التي ظهر فيها إلى العلن شيء كان يتشكل في الخفاء منذ زمن طويل، وربما تكون القيمة الأهم في «خادم الأمير الشرقي» أنها تجعلنا نعيد النظر في فكرة البطل نفسها، فقد لا يكون بطل الحكاية هو الشخص الذي يراه الجميع، قد يكون البطل الحقيقي هو ذلك الذي لا يراه أحد، ذلك الرجل الذي يقف خلف الأمير، يراقب، ويعرف، ويقترح، ويدفع، ثم يختفي، وفي التاريخ، كما في الحياة، ليست كل الظلال بريئة، فبعض الظلال تصنع الضوء، وبعضها يصنع المأساة.