مع إعلان الفائزين جوائز الدولة للتفوق في الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، يتجدد كل عام سؤال مهم لدى المبدعين والباحثين: هل يشترط أن يكون المتقدم صاحب عدد كبير من الكتب حتى ينافس على الجائزة؟ وهل يتم اختيار الفائز بناءً على عدد المؤلفات، أم أن هناك معايير أخرى تتعلق بقيمة تجربته وإجمالي إنتاجه؟
والإجابة وفقًا للشروط المعلنة من المجلس الأعلى للثقافة تكشف أن الكتاب ليس المعيار الوحيد للفوز، وأن الجائزة تستهدف في الأساس صاحب تجربة إبداعية أو فكرية ممتدة، يكون لإنتاجه قيمة علمية أو فنية أو أدبية متميزة، وتظهر فيه الأصالة والابتكار والقدرة على التأثير.
ما هي جائزة الدولة للتفوق؟
تُمنح جائزة الدولة للتفوق في ثلاثة مجالات رئيسية هي الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، ويبلغ عدد جوائزها سبع جوائز: جائزتان في الآداب، وجائزتان في الفنون، وثلاث جوائز في العلوم الاجتماعية.
وبحسب إعلان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026، تبلغ قيمة كل جائزة 100 ألف جنيه، إضافة إلى ميدالية فضية، ولا يجوز تقسيم الجائزة أو منحها للشخص نفسه أكثر من مرة في الفرع ذاته.
لكن قيمة الجائزة لا تتوقف عند الجانب المادي، إذ تمثل واحدة من أبرز صور التقدير الرسمي لمسيرة المبدعين والمفكرين الذين امتد عطاؤهم لسنوات طويلة.
هل يشترط أن يكون المتقدم مؤلفًا للكتب؟
لا. وهذه هي النقطة الأساسية التي قد يحدث بشأنها التباس عند قراءة شروط التقدم، فالمجلس الأعلى للثقافة لا يحصر النشاط الذي يمكن الاستناد إليه في الكتب وحدها، وإنما يتحدث عن «النشاط الإبداعي أو الفكري»، كما يطلب تقديم أعمال تثبت مرور 15 عامًا أو أكثر على بداية هذا النشاط.
وتوضح الشروط الرسمية أن إثبات هذه المدة يمكن أن يكون من خلال كتاب منشور يحمل رقم إيداع، أو إفادات معتمدة من الجهات التي قامت بتنفيذ أو عرض الأعمال الفنية.
وهذا يعني عمليًا أن طبيعة الدليل تختلف باختلاف المجال. ففي الآداب قد تكون الكتب والمؤلفات والدواوين والروايات وغيرها من أشكال الإنتاج الأدبي هي أبرز الأدلة على المسيرة، أما في الفنون، فلا يمكن اختزال التجربة في المؤلفات؛ إذ يمكن أن يكون معيار إثبات النشاط هو الأعمال الفنية التي جرى تنفيذها أو عرضها، وفق المستندات المعتمدة من الجهات المعنية.
وفي العلوم الاجتماعية يمكن أن يدخل ضمن الإنتاج، البحوث والدراسات والمؤلفات والأعمال الفكرية، طالما كانت مستوفية لمعايير الجائزة.
لماذا يطلب المجلس خمسة أعمال فقط؟
تنص شروط التقدم على تقديم ما لا يزيد على خمسة أعمال، إلى جانب السيرة الذاتية والمستندات المطلوبة، لكن هذا الشرط لا يعني أن الجائزة تُمنح لصاحب «خمسة كتب» أو أن صاحب الأعمال الخمسة الأكثر عددًا هو الأقرب للفوز.
الخمسة أعمال هي نماذج من الإنتاج الذي يقدمه المرشح للتقييم، وليست رقمًا يحدد حجم المسيرة الإبداعية بأكملها، بمعنى آخر، قد يمتلك أحد المرشحين عشرات الكتب والأعمال، لكنه يقدم للجنة خمسة أعمال يرى أنها الأكثر تمثيلًا لتجربته، بينما قد يكون مرشح آخر صاحب إنتاج مختلف في طبيعته، ويقدم خمسة أعمال فنية أو بحثية وفق مجال الجائزة.
المعيار الحقيقي.. قيمة الإنتاج وليس عدد الكتب
توضح اللائحة أن المطلوب أن يكون للإنتاج المقدم قيمة علمية أو فنية أو أدبية ممتازة، وأن يشهد على الأصالة والقدرة على الابتكار والتوجيه.
ومن هنا يمكن التمييز بين أمرين: الأول: شروط دخول المنافسة، وتتعلق بالجنسية، ومدة النشاط، وعدد الأعمال التي يمكن تقديمها، والوثائق المطلوبة، والجوائز السابقة التي حصل عليها المرشح.
والثاني: تقييم التجربة نفسها، وهنا لا يصبح السؤال: «كم كتابًا كتب المرشح؟»، وإنما: ما قيمة ما قدمه؟ وما مدى أصالته وتميزه وتأثيره في مجاله؟، وهذا فارق جوهري، لأن جائزة التفوق ليست جائزة تمنح على أساس الإنتاج الكمي، وإنما تقدير لمسيرة إبداعية أو فكرية وصلت إلى مستوى من التميز.
15 عامًا من النشاط.. لماذا؟
تشترط الجائزة أن يقدم المرشح أعمالًا تثبت مرور 15 عامًا على الأقل على بداية نشاطه الإبداعي أو الفكري، وألا يكون هذا النشاط قد توقف حتى وقت التقدم، والهدف من هذا الشرط هو أن الجائزة موجهة إلى تجربة ممتدة، وليس إلى عمل منفرد حقق نجاحًا عابرًا، فالجائزة لا تبحث فقط عن كتاب جيد أو عرض فني ناجح، وإنما عن صاحب مشروع يمكن النظر إلى تطوره عبر سنوات طويلة.
ولهذا فإن ملف المرشح ينبغي أن يكشف عن مسيرة متصلة، وأن تكون الأعمال المقدمة نماذج دالة على هذه المسيرة.
هل رسائل الماجستير والدكتوراه تحسب ضمن المسيرة؟
لا، وتنص الشروط صراحة على أن رسائل الماجستير والدكتوراه لا يُعتد بها كإثبات للنشاط المطلوب لإثبات مرور 15 عامًا على بداية النشاط الإبداعي أو الفكري، وهذه نقطة مهمة خصوصًا في مجال العلوم الاجتماعية، إذ لا يكفي أن يكون الباحث قد حصل على درجات علمية عليا لإثبات استمراره في النشاط الذي تشترطه الجائزة.
العلوم الاجتماعية حالة مختلفة عن الآداب
إذا كان الحديث عن جائزة التفوق في الآداب، فإن الكتب والمؤلفات تمثل جزءًا رئيسيًا من الإنتاج الذي يمكن تقييمه، لكن الأمر يختلف في العلوم الاجتماعية، إذ لا تقتصر تجربة الباحث على الكتب وحدها، وإنما يمكن أن تشمل البحوث والدراسات والمؤلفات الفكرية والأعمال العلمية التي قدمها في مجال تخصصه، وما تتمتع به من قيمة علمية وأصالة وقدرة على الابتكار والتأثير في المجال البحثي والفكري. ولذلك فإن تقييم المرشح لا يرتبط بعدد الكتب التي أصدرها فقط، وإنما ينظر إلى مجمل إنتاجه العلمي والبحثي ومدى إسهامه في تطوير تخصصه، مع تقديم الأعمال والمستندات التي تثبت نشاطه واستمراره في المجال وفقًا للشروط المنظمة للجائزة.
هل كثرة الإنتاج تمنح صاحبها أفضلية؟
ليس بالضرورة. يمكن القول إن الكم قد يكون مؤشرًا على الاستمرارية، لكنه ليس معيارًا حاسمًا بذاته، فإذا كان لدينا مبدع أصدر 20 كتابًا، وآخر أصدر 8 كتب، فهذا لا يعني تلقائيًا أن الأول يستحق الجائزة أكثر من الثاني. والذي يهم هو ما إذا كانت الأعمال المقدمة تتمتع بالقيمة المطلوبة، وما تضيفه إلى مجالها، ومدى أصالتها وابتكارها، ووهذا يتفق مع طبيعة جائزة التفوق نفسها؛ فهي لا تحمل اسم «جائزة كثرة الإنتاج»، وإنما جائزة التفوق، أي أنها تستهدف التميز النوعي في التجربة.
كيف ينبغي قراءة ملف المرشح؟
يمكن النظر إلى ملف المرشح باعتباره مكونًا من عدة عناصر متكاملة: مسيرة زمنية: هل استمر نشاطه الإبداعي أو الفكري لمدة 15 عامًا على الأقل؟، إنتاج: ما الأعمال التي قدمها خلال هذه المسيرة؟، جودة: ما القيمة العلمية أو الأدبية أو الفنية لهذه الأعمال؟، أصالة: هل قدم إضافة حقيقية إلى مجاله؟، ابتكار: هل يحمل إنتاجه سمات خاصة أو أفكارًا جديدة؟، استمرارية: هل يمثل المرشح مشروعًا متصلًا أم نجاحًا عابرًا؟، أثر: ما مكانة هذه التجربة داخل المجال الذي تنتمي إليه؟
وبالتالي، فإن تقديم خمسة أعمال لا يعني أن اللجنة تنظر إلى هذه الأعمال باعتبارها خمسة عناصر منفصلة فقط، وإنما يمكن أن تكون بمثابة نافذة على مشروع المرشح بأكمله.
من الترشيح إلى الفوز
ولا ينتهي الأمر بمجرد استيفاء الشروط وتقديم الأعمال، فالترشيح أو التقدم لا يعني الفوز تلقائيًا، وإنما يدخل المرشح في المسار الخاص بفحص الملفات وتقييمها وفق القواعد المنظمة للجائزة، وهنا تظهر أهمية أن يكون الملف مستوفيًا للشروط الشكلية، وأن تكون الأعمال المقدمة موثقة وقابلة للتقييم، خصوصًا أن المجلس يشترط مستندات مختلفة بحسب طبيعة النشاط.