الدكتورة سلوى كامل تكتب: المعابد المنقذة والهوية المصرية (4)

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 05:00 م
الدكتورة سلوى كامل تكتب: المعابد المنقذة والهوية المصرية (4) الدكتورة سلوى كامل رئيس قسم الآثار المصرية بجامعة القاهرة

معبد جرف حسين المفقود

نُحت معبد جرف حسين في سفح جبل بأمر من الملك رمسيس الثاني، ويشبه معبد أبو سمبل الشهير، وإن كان أصغر حجمًا.
لم يُنقذ الجزء الداخلي من معبد جرف حسين من مياه السد العالي في أسوان، وهو الآن مغمور بالمياه. ويُعد تمثال رمسيس الكبير الآن محور المتحف النوبي في أسوان، إلى جانب بعض القطع الأخرى من المعبد. أما الأعمدة الخارجية، فتشكل مجموعة وحيدة في موقعها الجديد بين صخور كلابشة الجديدة.

ومع الاحتفال المُبرّر بإنقاذ العديد من المعالم الأثرية الهامة في النوبة، وبفضل الجهود الدولية التي ترعاها اليونسكو، ينبغي الاعتراف بفقدان الكثير، وأن المعابد المُرممة موجودة خارج بيئاتها الطبيعية التي كانت جزءًا لا يتجزأ منها، وأنه لا أحد يعلم كم من الآثار لم يُعثر عليها قط.

وعلى الضفة الغربية لنهر النيل، التي غمرتها الآن بحيرة ناصر، على بُعد كيلومترات قليلة جنوب موقع دندور، كان يقع معبد جرف حسين. نُقل المعبد اليوم إلى كلابشة الجديدة، لكنه ظلّ لسنوات طويلة مفككًا. والجدير بالذكر أن فتح كلابشة الجديدة للجمهور استغرق وقتًا طويلًا. ولعل السبب في ذلك هو أن ما أصبح جزيرة كان في الأصل جزءًا من البر الرئيسي. ولذا، مع ارتفاع منسوب مياه بحيرة ناصر فوق مستواه المخطط له، وما ترتب على ذلك من صعوبات في النقل، استغرق الأمر وقتًا طويلًا لتجاوز هذه العقبات.

وبما أن قلة من الناس يمكنهم الادعاء برؤية المعبد في موقعه الأصلي في القرية النوبية التي استمد منها اسمه، فإن إعادة بنائه تُعدّ من أهم الأنشطة الأثرية في عصرنا. فهو يُعيد إلى الأذهان تلك الأيام، في أواخر ستينيات القرن الماضي، قبل اكتمال بناء السد العالي، حين كان بإمكان المرء الإبحار من ميناء شلال جنوب أسوان عبر النوبة، ومشاهدة المعابد في مواقعها الأصلية، والتي كانت تُطلّ في معظمها على النيل.

في أقصى شمال قرية جرف حسين يقع معبد منحوت في الصخر، يُشكّل تباينًا بديعًا مع جاره في دكة. ويبدو أنه شُيّد في بدايات فن العمارة، حين كان الفنان يُضفي تأثيرًا مهيبًا لا بفضل رقة تماثيله، بل بفضل ضخامتها.

كان معبد جرف حسين، أو بالأحرى معبد أو بيت بتاح، الذي أطلق عليه المصريون القدماء هذا الاسم، من تصميم مسئول رفيع المستوى يُدعى ستاو خلال عهد رمسيس الثاني. كان ستاو نائبًا للملك في النوبة، وأشرف على بناء المعبد وفقًا للتصميم نفسه لمعبد رمسيس الثاني في وادي السبوع (وادي الأسود)، والذي تم إنقاذه أيضًا من مياه بحيرة ناصر خلال ستينيات القرن الماضي. ويشبه هذا المعبد إلى حد كبير معبد أبو سمبل الأكثر شهرة، الواقع جنوبًا.

ويقع هذا المعبد على قمة تل، تغطي منحدراته الواسعة الأنقاض وبعض شظايا التماثيل الضخمة. أمامه بهو يتألف من خمسة أعمدة مربعة على كل جانب، مع صف من الأعمدة الدائرية في المقدمة، كانت تحمل في الأصل سقفًا. لم يتبقَّ من هذه الأعمدة سوى عمودين. أمام كل عمود من الأعمدة المربعة الجانبية، يقف تمثال ضخم من الحجر الرملي يبلغ ارتفاعه حوالي ثمانية عشر قدمًا، يحمل في إحدى يديه مذبة، بينما تتدلى الأخرى. جميعها تمثل شخصيات، بلحية رفيعة أسفل الذقن، أكتافها مغطاة بكتابات هيروغليفية.

وعلى جانبي البهو ممر مفتوح منحوت في الصخر، ربما استُخرجت منه مواد البهو الأمامي. ويُدخل إلى البهو من خلال بوابة كبيرة. وهو مربع الشكل، طول ضلعه ثمانية عشر مترًا، ويحتوي على صفين، ثلاثة أعمدة في كل صف، من أعمدة ضخمة، أو بالأحرى دعامات، لأنها بلا تيجان، يبلغ طولها خمسة أمتار وعرضها سبعة أمتار.

وأمام كل عمود من هذه الأعمدة يقف تمثال ضخم، يزيد ارتفاعه عن ستة أمتار، ويداه متقاطعتان على صدره، ممسكًا بالصولجان والعصا. هذه التماثيل بدائية الصنع، وملامح أجسادها أقل دقة حتى من تماثيل وادي السبوع، وأرجلها مجرد كتل مستديرة. ومع ذلك، فإنها تُحدث أثرًا لافتًا في هذه المساحة الصغيرة نسبيًا. فإن المعتاد على عظمة المعابد المصرية من نماذجها الفريدة، ومع ذلك يشعر بالإعجاب عند دخول هذا البهو والتماثيل الضخمة واقفة في صمت.

وتوجد على الجدران الجانبية للرواق أربع تجاويف، في كل منها ثلاثة تماثيل بالحجم الطبيعي، تمثل مختلف الشخصيات الرمزية التي تُرى على جدران معابد مصر. جميع هذه التماثيل، بالإضافة إلى التماثيل العملاقة، مغطاة بطبقة سميكة من الجص، وكانت مطلية في السابق، ولا بد أنها كانت تتمتع بمظهر رائع آنذاك.

ويؤدي باب البهو الأمامي إلى قدس الأقداس، وفي وسطه عمودان ضخمان، وعلى جانبيهما حجرة صغيرة. وعلى أرضية كل منهما مقاعد حجرية عالية، ربما كانت تُستخدم لوضع القرابين في المعبد. وقد تم تكسير الأرضيات بحثًا عن الكنوز، وهي الآن مغطاة بالنفايات.

وفي الجدار الخلفي للمعبد، توجد أربعة تماثيل ضخمة، وفي وسط الأرضية حجر مكعب كبير جوانبه ملساء تمامًا وخالية من أي نقوش. وربما كان قاعدة تمثال، أو ربما كان تابوتًا مقلوبًا؟ من المنحوتات والهيروغليفية التي كانت تزين جدران هذا المعبد، لم يتبقَّ منها إلا القليل، فالحجر الرملي لين ويتفتت بسرعة. إضافة إلى ذلك، الجدران سوداء تمامًا من دخان النيران التي أشعلها الرعاة المجاورون، الذين غالبًا ما يقضون الليل في المعبد مع مواشيهم. ما زال ما تبقى من هذا المعبد كافيًا ليدل على أن المنحوتات نُفذت بشكل بدائي.

التماثيل الضخمة في البهو الأمامي محفوظة جيدًا، أما تلك الموجودة في البهو فقد تعرضت للتشويه.
أحد التماثيل الضخمة لرمسيس الثاني في فناء معبد جرف حسين. يتميز هذا المعبد بتصميمه الفريد، فهو جزء قائم بذاته، وجزء منحوت من واجهة الصخر في الجزء الخلفي من المبنى. وهو مكرس لآلهة متعددة، منها بتاح، وبتاح تاتنن، وحتحور، وبالطبع رمسيس الثاني نفسه.

ويُعد جرف حسين معبدًا بديعًا، ذا تصميم بسيط ومتناظر، موجّه من الشرق إلى الغرب، ويُدخل إليه عبر فناء رباعي كبير محاط من ثلاث جهات بأروقة مسقوفة من أعمدة اللوتس المصممة بأناقة في الجهة الشرقية، وأعمدة أخرى تحمل تماثيل رمسيس الثاني.

وتم نحت الجدار الخلفي للفناء ليُحاكي شكل الصرح ذي الواجهات المتآكلة والإفريز. بعد الفناء، في الجزء المنحوت من الصخر من المعبد، توجد قاعة كبيرة مربعة الشكل في معظمها، بسقف مدعوم بستة أعمدة، تتوسطها تماثيل ضخمة لرمسيس الثاني على طراز أوزيريس. وفي الجدران الجانبية لهذه القاعة، على كل جانب، توجد أربع تجاويف تضم مجموعات من تماثيل رمسيس الثاني بين إلهين.

وتؤدي ردهة عرضية محاطة بحجرتين عميقتين خلف القاعة ذات الأعمدة إلى ثلاث مقاصير، أكبرها قدس الأقداس المزخرف بنقوش بارزة لرمسيس الثاني برفقة الآلهة. في أحد النقوش، يقدم رمسيس الثاني قرابين طازجة للإله بتاح، بينما في مشاهد أخرى، يظهر رمسيس الثاني وهو يُعانق موت وباخت.

هذا هو قدس الأقداس، ويبدو أنها كانت فناءً لقارب بتاح المقدس الذي كان موضوعًا على قاعدة. في الجزء الخلفي من هذه الحجرة، يوجد ناووس يحتوي على مجموعة تماثيل تضم بتاح، ورمسيس الثاني المؤلّه، وبتاح-تاتنن، وحتحور.

وهكذا نرى أن هذا المعبد الهام يمثل قطعة فريدة من الآثار المصرية، وعلى الرغم من حالته الحالية، فإنه يُعتبر مزارًا مهمًا للباحثين والزوار من مختلف أنحاء العالم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة