سارة درويش

هل ينجو "جيل زد" من فخ عجلة الهامستر؟

الإثنين، 10 أغسطس 2026 12:23 م


بعد دقائق من الوقوف في عربة المترو المكيفة، وحين هدأت ضربات قلبي المتسارعة نتيجة المشي السريع الأقرب للركض للحاق بالقطار المناسب لأتمكن من اللحاق بالاجتماع الصباحي، فتحت هاتفي لأتصفح ذلك الموقع الذي يحمل تقويمًا للأيام العالمية والوطنية وحتى تلك التي تنطلق بمبادرات من جمعيات أو أفراد. ابتسمت للمفارقة حين ذكرني الموقع بأن اليوم هو "اليوم الوطني للكسل". لم يكشف الموقع لأي دولة ينتمي، بل أشار بخفة ظل إلى أن "مؤسسي اليوم الوطني للكسل غير معروفين، ربما لأنهم كانوا مشغولين للغاية بالاسترخاء لدرجة أنهم لم يدونوا جهودهم!" وأوضح أن طريقة الاحتفال بهذا اليوم ـ في 10 أغسطس من كل عام ـ تتطلب منك ألا تنهض من أريكتك، حيث يمنحك اليوم ذريعة مثالية لأخذ قسط من الراحة والاستمتاع ببعض الوقت لنفسك دون الشعور بالذنب حيال ذلك.

شكرتهم من قلبي لأنهم لم يزعموا أن طريقة الاحتفال تلك "بسيطة جدًا" كما قد يظن البعض! ففي هذا الزمن اللاهث، حتى لو ضربت بقواعد عملك عرض الحائط، وحبكت كذبة مثالية للتغيب عنه، وحتى لو تجاهلت كل المهام المنزلية أو الشخصية المتراكمة على عاتقك فأنا متأكدة أنك لن تنجو أبدًا من الشعور بالذنب.

لقد جربت ذلك مرارًا، حيث أرقد على سريري بطاقة نافدة وذهن مجهد وجسد يتوسل للراحة الحقيقية، لا أنجح أبدًا في وقف ذلك الجلاد في عقلي الذي يؤنبني على إضاعة هذا الوقت الثمين دون فعل شيء ما. الأسوأ أنه حتى لو كنت أفعل شيئًا واحدًا لا يتوقف التأنيب، فلماذا لا أفعل ثلاثة أشياء في وقتٍ واحد؟

لا أعتقد أن هذا حالي وحدي للأسف، فكل تلك النصائح التي تصرخ بها مقاطع "الريلز" القصيرة وعرائض من يطلقون على أنفسهم خبراء في التنمية البشرية والتطوير الذاتي والتطوير المهني وإلخ.. لطالما اتهمونا بالتقصير إن لم نعصر أنفسنا حتى آخر قطرة بحجة "تعزيز الإنتاجية" وتحقيق النجاح، فتحولت حياتنا إلى ركض مستمر داخل عجلة الهامستر. نستنزف طاقتنا طيلة الوقت، وننشغل بالإنجاز حتى في أحلامنا ولا نصل أبدًا إلى حالة الرضا عن النفس أو الشعور بالإنجاز والراحة!
تبرمجت عقولنا على أن الاسترخاء خطيئة وأن الكسل رذيلة وأن قيمة الإنسان تقاس فقط بحجم إنتاجيته اليومية.

هذا الصراع الجنوني ليس جديدًا تمامًا ولكن ربما نشعر الآن أنه وصل إلى ذروته، فالفيلسوف والأديب الألماني هيرمان هيسه راقب بأسى قبل عقود طويلة كيف ابتلعت عجلة الصناعة والإنتاجية روح الإنسان وحولته إلى آلة تعيش في عجلة دائمة. ورثى ما أسماه "فن الكسل" في كتاب حمل العنوان نفسه، موضحًا أن الكسل الأصيل ليس خمولاً مذمومًا بل هو القدرة على السكينة والتأمل وتذوق اللحظة دون شعور بالذنب.

بل وصف هيسه أولئك القادرين على الاستمتاع باللحظة وفعل الأمور بهدوء وروية بـ "مليونيرات الوقت"، ضاربًا مثلاً بالحكاء العربي القديم في قصص "ألف ليلة وليلة" الذي كان "يغترف الزمن من بئر عميقة لا تنضب". فيقضي أيامًا وأسابيع في وصف حكاية واحدة دون عجلة ولا توتر. بينما الإنسان المعاصر "فقير معدم" يمزق ساعاته إلى أجزاء صغيرة ليبقى دائمًا طريد الوقت!

الشعور بأننا في ذروة هذا الجنون بقدر ما يسبب الأسى إلا أنه يبشر ربما بنهاية قريبة لهذه المأساة الإنسانية التي تدمر ليس فقط صحة الإنسان وعقله، وإنما تفسد عليه حياته بالكامل؛ حيث تكشف مؤشرات أن جيل زد والأجيال التالية له قد تنجو من هذا الفخ. ففي تقرير لمجلة "Bustle" تحدث الخبراء عن أن هذا الجيل قرر أن يتمرد على "عبودية الإنجاز" التي غرقت فيها الأجيال السابقة. وظهر مفهوم نفسي جديد يتبنونه بقوة، وهو قريب من مفهوم هيسه "مليونيرات الوقت" يعرف بـ"الرفاهية الزمنية" أو "وفرة الوقت".

يقول الخبراء إن جيل زد أدرك أن الراتب الضخم غالباً ما يأتي بضريبة خفية باهظة؛ هي سرقة العمر والوقوع في فخ الاحتراق الوظيفي. وبدلاً من المبادلة العمياء للوقت بالمال، بدأ الشباب يتساءلون: "ما هو نوع الثروة الذي نسعى لتحقيقه حقاً؟". بالنسبة لهم، امتلاك وقت كافٍ للنوم صباح السبت، أو ممارسة هواية بسيطة، أو المشي بلا هدف، هو ثروة حقيقية تفوق أي رصيد بنكي لا يمنح صاحبه مساحة للتنفس!

ربما لن ينجو جيل زد بشكل كامل من ضغوط "عبودية الإنجاز" أو فخ "عجلة الهامستر"، ولكن على الأقل ربما يكون الجلاد في عقولهم أكثر هوادة بشأن استمتاعهم برفاهية الكسل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة