تنطفئ أنوار البيوت تدريجيًا، بينما تستيقظ الكافيهات والمقاهي على صخب لا يهدأ، حيث يتحول الليل الصيفي من مساحة للراحة إلى مكان بديل لآلاف الشباب.
هناك، بين طاولات خشبية ورائحة الفحم المتأهب، تتسرب الساعات بلا حساب، وتبدأ الحكاية من بعد صلاة العشاء ولا تنتهي إلا مع ظهور الخيط الأبيض من الفجر.
لم تعد المقاهي مجرد مساحة عابرة لاستراحة قصيرة أو لتجاذب أطراف الحديث، بل تحولت إلى أماكن إقامة شبه دائمة، يقضي فيها الشباب ذكورًا وإناثًا نصف يومهم، تجمعهم صلة رحم ظاهرة مع "الشيشة"، في مشاهد جماعية تغلفها سحب الدخان المكثف، بينما تنسكب الأموال على المشروبات والخدمات بسخاء يثير الدهشة، سواء في الكافيهات الحديثة أو حتى على مقاعد المقاهي الشعبية، وكأن هناك ميزانيات مفتوحة لشراء الوقت المهدور.
اللافت في هذا المشهد ليس فقط الهدر المالي، بل التحول الطبقي والمهني الذي يطال الجميع، حتى أصحاب الحرف والصنايعية، من سباك وكهربائي ونجار، أصبحت استعادتهم لنشاطهم الصباحي درباً من الخيال.
كيف ليد تعبت من "الشيشة" والسهر حتى وشك الشروق أن تمسك بأدوات العمل في السابعة صباحاً؟ لقد انقلبت الساعة البيولوجية للمجتمع، فصار النوم عصراً والعمل هامشاً، ليبقى السؤال المعلق في الهواء: متى ينتج هؤلاء؟ ومتى يمنحون وطنهم بعضاً من طاقاتهم المعطلة؟
لكن السؤال الأكثر إيلاماً يكمن في سر هذا الجفاء مع البيوت، لماذا يهرب هذا الجيل من دفء الجلسات الأسرية والحكايات الحميمية، ليلتف حول شبكات الواي فاي الفضفاضة، أو ينخرط في جلسات سمر تتخللها أحياناً ألفاظ تخدش حياء الليل؟ هل هو بحث عن حرية زائفة، أم هروب من واقع لا يجدون فيه أنفسهم؟
إنها ليست مجرد ظاهرة صيفية عابرة، بل نداء صامت تحت أنوار النيون المتوهجة، نداء يدعونا لترميم الجسور بين البيوت وأبنائها قبل أن يبتلع الدخان ما تبقى من طاقات شبابنا.