كان ماريو بارجاس يوسا واحدًا من أشهر الروائيين الذين خرجوا من أمريكا اللاتينية، لكنه فى لحظة من حياته قرر الخروج من عالم الكتب إلى معركة مختلفة، حين ترشح لرئاسة بيرو عام 1990، واقترب من الوصول إلى قصر الحكم قبل أن يخسر الانتخابات أمام ألبرتو فوجيمورى، ليعود بعدها إلى المكان الذى بدأ منه، ويواصل كتابة الروايات والمقالات حتى أصبح بعد عشرين عامًا صاحب جائزة نوبل فى الأدب.
وتعود حكاية يوسا إلى الواجهة مع صدور السيرة الجديدة «Mario Vargas Llosa: A Life» للناقد وكاتب السير البريطانى جيرالد مارتن، الذى عرف يوسا منذ ستينيات القرن الماضى، واعتمد فى كتابه على سنوات طويلة من البحث والمقابلات والوصول إلى أرشيف الكاتب. وتعيد السيرة قراءة حياة امتزج فيها الأدب بالسياسة بصورة يصعب معها الفصل بين الروائى والمفكر والناشط السياسى.
من أريكيبا إلى عالم الرواية
ولد ماريو بارجاس يوسا فى مدينة أريكيبا فى بيرو يوم 28 مارس عام 1936، وقضى أجزاء من طفولته بين بوليفيا ومدن مختلفة فى بيرو، قبل أن يدخل فى شبابه مدرسة ليونسيو برادو العسكرية فى ليما، وهى التجربة التى ستتحول بعد سنوات إلى مادة أدبية فى واحدة من أهم رواياته المبكرة "المدينة والكلاب" أو "زمن البطل"، الصادرة عام 1963.
منذ هذه الرواية بدأت مكانة يوسا تتشكل ضمن جيل "البوم" الأدبى فى أمريكا اللاتينية، إلى جانب أسماء مثل جابرييل جارسيا ماركيز وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس، وواصل تقديم الروايات والقصص والمسرحيات والمقالات التى ناقشت المجتمع والسلطة والعنف والحرية والتاريخ.
واللافت أن السياسة كانت حاضرة داخل روايات يوسا قبل أن يدخلها بنفسه؛ فالسلطة وكيفية عملها، وعلاقة الفرد بالمؤسسات التى تحكم حياته، والدكتاتورية والثورة والصراع الاجتماعى، ظلت موضوعات متكررة فى أعماله. وقد أشارت الأكاديمية السويدية عند منحه نوبل عام 2010 إلى قدرته على رسم هياكل السلطة وتصوير مقاومة الفرد وتمرده وهزيمته.
Mario Vargas Llosa A Life
يوسا والسياسة.. البداية من اليسار
مثل عدد كبير من مثقفى أمريكا اللاتينية خلال الخمسينيات والستينيات، اقترب يوسا فى شبابه من الأفكار الاشتراكية، وتعاطف مع الثورة الكوبية فى سنواتها الأولى، لكن علاقته باليسار بدأت تتغير خلال السنوات التالية، وصولًا إلى خلافه الواضح مع نظام فيدل كاسترو فى كوبا خلال السبعينيات.
ومع مرور الوقت اتجه يوسا إلى الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق والحريات الفردية، وأصبح من أبرز الأصوات الثقافية المدافعة عن هذه الأفكار فى العالم الناطق بالإسبانية.
وقد جعل هذا التحول يوسا شخصية مثيرة للجدل سياسيًا، خاصة أنه جاء من الجيل نفسه الذى ارتبط عدد من رموزه باليسار، وعلى رأسهم صديقه القديم جابرييل جارسيا ماركيز، الذى انتهت صداقته معه لاحقًا وأصبح الخلاف بينهما واحدًا من أشهر حكايات الوسط الأدبى فى القرن العشرين.
الروائى الذى قرر أن يصبح رئيسًا
ظل يوسا لسنوات يكتب عن السياسة ويتدخل فى النقاشات العامة، ثم جاءت اللحظة التى قرر فيها الانتقال من مراقبة السلطة إلى المنافسة عليها.
فى نهاية الثمانينيات كانت بيرو تعانى أزمة اقتصادية حادة إلى جانب العنف الذى أحدثته جماعة «الدرب المضىء»، ودخل يوسا المعركة السياسية حتى أصبح مرشحًا لرئاسة الجمهورية فى انتخابات عام 1990.
هنا وجد الكاتب نفسه فى عالم مختلف تمامًا: تجمعات انتخابية، خطب، برامج اقتصادية، منافسون، استطلاعات رأى وحسابات أصوات. ودخل السباق باعتباره واحدًا من أبرز المرشحين للوصول إلى الرئاسة، قبل أن تظهر المفاجأة المتمثلة فى صعود ألبرتو فوجيمورى، أستاذ الجامعة والمهندس الزراعى الذى لم يكن من الأسماء السياسية الكبيرة آنذاك.
وصل يوسا وفوجيمورى إلى جولة الإعادة، وفى النهاية خسر الروائى الانتخابات، وأصبح فوجيمورى رئيسًا لبيرو. وبعد هذه التجربة ابتعد يوسا عن العمل السياسى المباشر وغادر إلى إسبانيا، مع استمرار حضوره فى القضايا السياسية والفكرية فى أمريكا اللاتينية لسنوات طويلة.
"سمكة فى الماء".. حين أصبحت الانتخابات كتابًا
لم تختف تجربة الانتخابات بعد انتهائها، فقد فعل يوسا ما يجيده أكثر من غيره وحول التجربة نفسها إلى كتابة.
فى عام 1993 أصدر كتابه «سمكة فى الماء»، الذى جمع فيه بين ذكريات طفولته وشبابه وتجربته خلال الحملة الرئاسية عام 1990، وكأن السياسة التى أخذته بعيدًا عن الرواية لفترة عادت فى النهاية لتصبح مادة للكتاب.
وربما كان هذا هو الشكل الأكثر وضوحًا للعلاقة بين الأدب والسياسة فى حياته؛ فقد دخل السياسة وهو روائى، وعندما خرج منها أعاد النظر إليها بعين الكاتب.
السياسة داخل الروايات
استمرت السلطة موضوعًا أساسيًا فى أعمال يوسا بعد تجربته الانتخابية. وفى رواية «حفلة التيس»، الصادرة عام 2000، عاد إلى ديكتاتورية رافائيل تروخيو فى جمهورية الدومينيكان، بينما قدم فى «حرب نهاية العالم» الصراع الدموى الذى شهده شمال شرق البرازيل أواخر القرن التاسع عشر، كما حضرت اضطرابات بيرو وعنف «الدرب المضىء» فى أعمال أخرى.
ولهذا يصعب قراءة عالم يوسا الأدبى بعيدًا عن أسئلته السياسية؛ فالرجل الذى أراد فى إحدى مراحل حياته أن يحكم بلده أمضى القسم الأكبر من عمره يكتب عن السلطة، وعن الذين يمتلكونها، والذين يقاومونها، والذين تسحقهم.
من خسارة الرئاسة إلى نوبل
بعد عشرين عامًا من الانتخابات التى خسرها، جاء انتصار من نوع آخر. فى عام 2010 أعلنت الأكاديمية السويدية فوز ماريو بارجاس يوسا بجائزة نوبل فى الأدب، تقديرًا لمشروع أدبى امتد لعقود وجعل منه واحدًا من أهم كتاب اللغة الإسبانية فى العصر الحديث.
واصل يوسا الكتابة حتى سنواته الأخيرة، وتوفى فى ليما يوم 13 أبريل 2025 عن عمر 89 عامًا، بعدما ترك عشرات الأعمال بين الرواية والمسرح والمقال والسيرة.
وظلت تجربة الرئاسة فصلًا استثنائيًا فى حياته؛ فماريو بارجاس يوسا لم يصل إلى قصر الحكم، لكنه ظل طوال حياته يعود إلى السؤال الذى دفعه إلى السياسة وإلى الرواية معًا: كيف تعمل السلطة، وماذا تفعل بالإنسان؟