يمثل اكتشاف دفن رضيع أسفل أساسات الحصن اليوناني القديم في أرتزيان، أول اكتشاف من نوعه يعود إلى العصر الكلاسيكي على ساحل بحر آزوف في شبه جزيرة القرم، ما يبرز أهميته الأثرية.
علماء الآثار يؤرخون الدفن إلى الفترة بين 80 و70 قبل الميلاد
عندما بدأ علماء الآثار أعمال التنقيب في المنطقة الواقعة أسفل مذبح بالقرب من الجدار الشمالي لمعبد زيوس جينارخوس وسوتر، أي "زيوس الجدّ والمنقذ"، عثروا على بقايا الرضيع.
وبعد تأريخ الرفات، حدد الباحثون تاريخ الدفن بين عامي 80 و70 قبل الميلاد، أي قبل بدء تشييد المعبد. وتشير هذه التواريخ إلى أن القبر وُضع في منطقة المذبح بالتزامن مع إقامة أساسات المعبد، غير أن الموقع كان يضم معبدًا أقدم يعود إلى العصر الميثريدي، ولذلك يحتمل أن يكون الدفن جزءًا من هيكل ذلك المعبد السابق.
وعثر علماء الآثار داخل القبر على مجموعة من اللقى الجنائزية، من بينها سوار برونزي وقلادة مكونة من خرزات صغيرة، وهي مؤشرات على أن الدفن كان طقسًا جنائزيًا منظماً، إلا أن جحور القوارض تسببت في اضطراب القبر، ما أدى إلى تحريك العظام واللقى الجنائزية من أماكنها الأصلية.
لماذا دفن الرضيع أسفل المعبد؟
طرح الباحثون عدة تفسيرات لوجود القبر في هذه المنطقة. ويتمثل الاحتمال الأول في أن الرضيع دفن داخل المنطقة المقدسة كجزء من طقس تأسيسي، وكانت مثل هذه الطقوس تتضمن وضع رفات إنسان أو حيوان أسفل مبنى مهم، في إطار طلب الحماية الإلهية ونجاح المبنى، ويعد وضع جثمان الرضيع في هذا الموضع مؤشراً إضافياً على الطابع الطقسي للدفن، إلا أن وجوده أسفل المبنى لا يعني بالضرورة أنه كان ضحية لتضحية بشرية.
كما أن وضع الهيكل العظمي العلوي على جانبه الأيسر، مع توجيهه نحو الجنوب الشرقي، يشير إلى أن عملية الدفن تمت بعناية وتخطيط، وهو ما يتوافق مع طبيعة الطقوس الدينية.
هل كانت وفاة الرضيع طبيعية؟
يرجح الباحثون أيضًا احتمال أن تكون وفاة الرضيع قد حدثت لأسباب طبيعية، إذ أظهر شكل الجمجمة علامات تتوافق مع الإصابة بـالاستسقاء الدماغي، وهي حالة تنتج عن تراكم السوائل حول الدماغ، وكانت غالبًا مميتة في العالم القديم، وفي حال كانت الوفاة طبيعية، فقد يكون الدفن جزءًا من مراسم جنائزية وليس تضحية بشرية.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع اكتشاف عظام ساقين قد تعودان إلى طفل آخر. ويخطط الباحثون لإجراء المزيد من الدراسات للتحقق من هذه الفرضية، إلى جانب فحص العوامل الأخرى المرتبطة بالدفن.
معبد زيوس كان مركزاً للحياة الدينية في أرتزيان
جرى تحديد معبد زيوس جينارخوس وسوتر للمرة الأولى باعتباره موقعًا تاريخيًا رئيسيًا عام 2023، ضمن المنطقة المقدسة الجنوبية للمستوطنة، وتشير النقوش التذكارية إلى أن المعبد الذي بقيت آثاره حتى اليوم شُيد في عهد ملك مملكة البوسفور فارناكس، الذي حكم بين عامي 63 و51 قبل الميلاد، وكان يوجد أسفل المعبد معبد أقدم يعود إلى عهد ميثريداتس السادس يوباتور، وقد دمره زلزال وقع عام 63 قبل الميلاد.
وتقع أرتزيان ضمن مستوطنة بوسفورية محصنة، وبدأت أعمال التنقيب الأثري فيها منذ عام 1988، وينظر الباحثون إلى الموقع باعتباره مركزًا دينيًا بارزاً، إذ حرص البناؤون على محاذاة مذابحه مع الاعتدالين الربيعي والخريفي، بما يحدد النقاط التي تشرق فيها الشمس وتغرب، وبفضل موقعها الاستراتيجي على ساحل بحر آزوف، احتلت أرتزيان مكانة مهمة ضمن الأراضي الأوروبية لـمملكة البوسفور، التي كانت عاصمتها بانتيكابايوم.
كما ارتبطت تحصينات المدينة بالحرب الرومانية-البوسفورية بين عامي 45 و49 ميلادية، ودُمر الحصن المبكر في حريق كبير وقع نحو عامي 46 و47 ميلادية.
أعمال التنقيب والحفظ مستمرة
تتواصل أعمال التنقيب في الموقع لفحص جدران الحصن ومباني التخزين وطبقات الاستيطان التي تعرضت للحريق، بينما يدرس الباحثون تجمعات عظام الحيوانات التي قد تكون مرتبطة بممارسات طقسية قديمة.
ويعمل الفريق الأثري أيضاً على تنفيذ مشروعات للحفاظ على كل من قصر ميثريداتس يوباتور ومعبد زيوس، بهدف فتح أجزاء من الموقع أمام الزوار، ويواجه الموقع في الوقت نفسه مخاوف تتعلق بأعمال المحاجر القريبة، والتي تسببت في إلحاق أضرار بمنشآت المياه الموجودة في منطقة التنقيب.
وتوفر أرتزيان مادة أثرية مهمة للباحثين الذين يدرسون الطقوس الدينية وممارسات الدفن والإجراءات العسكرية وتقنيات البناء في المستوطنات الحدودية القديمة في شبه جزيرة القرم.

أثناء الاكتشاف

جثة رضعية