لا شك أن القراءة تساهم في تشكيل بنية العقل الإنساني، وتعيد هيكلة عقله وشعوره، وتمضي به إلى تعزيز إنسانيته والارتقاء بها، وتفتح له عوالم لا حصر لها. فهي أشبه بالفنان الذي يرسم لوحة للطبيعة؛ فبدلًا من الألوان، هي السطور التي تشكل المعنى في الذاكرة والعقل. هي فن؛ لأنها تضفي على الحياة من سحرها الخفي، ليكون جليًّا مرئيًّا لمن قرأ وتصفح واطّلع. هي فن؛ لأن الحياة من دون قراءة أشبه بلوحة فارغة، أو لوحة سوداء غائمة.
والقراءة لا تتوقف عند الحروف والكلمات، وإنما هي بمفهومها الشامل الذي يتعدى كل حد. فاللوحة الجميلة لا تكتفي بالنظر إليها، وإنما هي قراءة للألوان والخطوط والمنظر؛ فهي كتاب يملي عليك من قصصه وحكاياته ما تمتلئ به نفسك. حتى الطبيعة التي تقع عليها أعيننا تحتاج إلى القراءة، فيما تنطوي عليه من إبداع أو جمال، أو حتى قبح ونفور. وحتى وجوه الناس وعيونهم تحتاج إلى القراءة، حين تملي عليك ما تعجز الكلمات عن إملائه.
إننا نقرأ لأننا نحيا بالقراءة، ونعيش على آثارها، وكأن العالم كله صفحات كتاب معروض لمن أراد القراءة والاستزادة من الحياة. فالقراءة ليست ترفًا أو وسيلة للتسلية، وإنما هي جوهر معرفة الحياة. إنها ضرورة كالطعام والشراب لبقاء الجسد، فهي ضرورة لبقاء العقل، ونافذة الروح، لكي نبقى صالحين للعيش على قيد الحياة. افتح كتابًا، أو تأمل لوحة، أو استمع إلى أغنية، أو اقرأ صفحة من صفحات الطبيعة، ولا تجعل يومًا من أيام حياتك يمضي دون أن تقرأ؛ حتى لا تكون في عداد الأموات.
فالقراءة أمُّ الفنون، وجذرها الذي يتفرع منه كل علم ومعرفة بالحياة. فلا تهن نفسك بتركها، ولا تقلل من إنسانيتك بهجرها، ولا تطمس معالم نفسك وروحك بالابتعاد عنها.
بين الكتب
حين يقلب المرء صفحات كتاب، وتقع عيناه على السطور والكلمات، ينسج منها في مخيلته عالمًا لم يره من قبل، فتضيف إلى حياته حياة، وإلى عينه مناظر، وإلى سمعه حكايات يتلقاها الإنسان، فتزيد من وجوده ويتسع لها عقله.
تختمر الفكرة بعد الفكرة، والقراءة بعد الأخرى، لتمتزج بعقل الإنسان وروحه. فالكتب ليست جمادات وأوراقًا صماء، وإنما هي فتوحات إلى عوالم كبرى لا تطلع عليها إلا من خلال الكتاب. ومحصول الإنسان، مهما رأى وسمع في واقع الحياة، محدود، وعالمه ضيق؛ لا سبيل إلى اتساعه إلا بالاطلاع. والكتب هي التي تنقلك إلى هذه العوالم التي طوتها صفحاتها.
فكل كتاب هو رصيد جديد من حياة الإنسان، وعمر آخر يُضاف إلى عمره المحدود. ومن حُرم من القراءة والاطلاع، حُرم من رؤية جوانب كثيرة من عالمنا الذي نعيش فيه، فيبقى يرى الحياة في صور منقوصة ومشوّهة، لا يعرف ماهياتها إلا بالكلمة.
تجلس إلى مكتبك وتمسك بالكتاب، فإذا بك تستعد لسياحة في أماكن لم تطأها قدماك من قبل. فكل كتاب هو بناء يرتفع بعقل الإنسان عمن حوله، ولكل سؤال ألف جواب، ولكل فكرة ألف اتجاه، وبدايات لا نهاية لها. فيزداد النهم والشغف، ويتسع نصيب الحس والشعور، وتكون القراءة انطلاقة من محبس وسجن إلى فضاء عريض، تجعل الإنسان يعرف نفسه من خلال معرفة الآخرين.
إن النفس الإنسانية أشبه بشيء ضخم؛ فإن تُركت دون اطلاع، فهي أجوف منتفخ، لا يحمل شيئًا سوى سطحيته، يظن بنفسه الشيء العظيم، فإذا هو فارغ وبلا قيمة حقيقية، ولكنه يخدع نفسه. أما من يريد لنفسه الخير والثقل، فإنما يطلبهما بالكتاب والمعرفة. فالكتاب يعيد ترتيب الإنسان نفسيًّا وعقليًّا وروحيًّا، ويمنحه ما يعجز عن نيله إلا من خلاله.