يُعد مرض الزهايمر من أكثر الاضطرابات العصبية ارتباطًا بفقدان الذاكرة والقدرات المعرفية، لكن حدوثه لا يرتبط بعامل واحد يمكن تحديده بسهولة، وإنما ينشأ نتيجة سلسلة معقدة من التغيرات التي تحدث داخل الدماغ وتؤثر تدريجيًا في الخلايا العصبية وقدرتها على التواصل والعمل بصورة طبيعية.
ووفقًا لما يوضحه Queensland Brain Institute (QBI) التابع لجامعة كوينزلاند، فإن الخرف يرتبط بالتنكس العصبي، أي تلف الخلايا العصبية وموتها، وتختلف المناطق المتأثرة بحسب نوع الخرف. وفي مرض الزهايمر المتقدم، يكون الحُصين، وهو جزء أساسي من الدماغ له دور مهم في تكوين الذكريات، من المناطق التي تتعرض لتلف واضح، بينما ترتبط مجموعة من العمليات الأخرى بتراكم البروتينات والالتهاب والتغيرات التي تضعف وظائف الخلايا العصبية.
تراكم البروتينات.. أحد أهم التغيرات المرتبطة بالزهايمر
داخل الدماغ توجد أنظمة تساعد على التعامل مع البروتينات والمواد التي لم يعد الجسم بحاجة إليها، لكن هذه الأنظمة قد لا تعمل بالكفاءة نفسها مع التقدم في العمر أو في ظل بعض الاضطرابات العصبية.
وفي مرض الزهايمر، ترتبط عملية التنكس العصبي بتراكم نوعين رئيسيين من البروتينات، هما بيتا أميلويد وتاو.
ولا تتوقف المشكلة عند وجود هذه البروتينات، إذ يمكن لتجمعاتها أن تؤثر في الخلايا العصبية وتضعف الاتصالات بينها، ومع استمرار الضرر قد تفقد الخلايا قدرتها على أداء وظائفها ثم تموت.
ما علاقة بروتين بيتا أميلويد بالمرض؟
ينتج الدماغ بصورة طبيعية مادة تعرف باسم بيتا أميلويد، ولا يعني وجودها في حد ذاته الإصابة بالزهايمر، إذ إن المشكلة ترتبط بحدوث اختلال في إنتاجها أو التخلص منها.
عندما تتراكم هذه المادة بصورة غير طبيعية، يمكن أن تتكون تجمعات حول الخلايا العصبية وبينها، وتُعرف هذه التجمعات باسم لويحات الأميلويد.
ومع زيادة هذه اللويحات، يمكن أن تتأثر أجزاء دقيقة من الخلايا العصبية مسؤولة عن استقبال الإشارات والتواصل مع الخلايا الأخرى، وهو ما قد يساهم في تراجع وظائف الدماغ مع تطور المرض.
بروتين تاو.. ماذا يحدث للخلايا العصبية؟
لا يقل بروتين تاو أهمية عن بيتا أميلويد عند الحديث عن التغيرات المرتبطة بمرض الزهايمر.
يوجد تاو بصورة طبيعية داخل الخلايا العصبية، ويساعد في الحفاظ على بنية المحاور العصبية، وهي الأجزاء التي تنقل الإشارات العصبية.
لكن في بعض الأمراض التنكسية العصبية، ومنها الزهايمر، قد يتغير سلوك هذا البروتين ويتراكم داخل الخلايا العصبية في صورة تجمعات تعرف باسم التشابكات الليفية العصبية.
ومع استمرار تراكم هذه التشابكات، تتأثر الوظائف الطبيعية للخلايا العصبية، وقد ينتهي الأمر إلى فقدان الخلايا المتضررة.
لماذا تبدأ البروتينات في التراكم؟
حتى الآن لا توجد إجابة بسيطة تفسر لماذا تبدأ هذه البروتينات في التراكم لدى بعض الأشخاص، ولهذا يواصل الباحثون دراسة مجموعة من العمليات التي قد تكون مرتبطة بهذه الظاهرة.
ومن العوامل التي يجري بحثها وجود اضطرابات في عمليات الأيض داخل خلايا الدماغ، والتغيرات التي تؤثر في حركة المواد داخل الخلايا، إلى جانب خلل أنظمة التخلص من الفضلات الخلوية.
كما أن الالتهاب والاستجابة المناعية داخل الدماغ قد يكون لهما دور في هذه العملية، ما يجعل الزهايمر مرضًا أكثر تعقيدًا من مجرد تراكم بروتينات غير طبيعية.
الالتهاب المزمن.. عامل مهم في تطور ألزهايمر
من المفاهيم التي تغيرت مع تطور أبحاث الزهايمر أن الالتهاب لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد نتيجة ثانوية لتلف الدماغ، إذ تشير الأدلة إلى إمكانية مساهمته في استمرار وتطور الضرر العصبي.
يحتوي الدماغ على خلايا مناعية تساعد في التخلص من المواد الضارة والحفاظ على بيئته الداخلية. وفي الظروف الطبيعية يمكن لهذه الاستجابة أن تكون مفيدة، بما في ذلك المساعدة في التعامل مع تراكم بيتا أميلويد.
لكن عندما تستمر الاستجابة الالتهابية لفترة طويلة، قد تتحول من آلية دفاعية إلى عامل يساهم في زيادة الضرر الذي تتعرض له الخلايا العصبية.
هل تلعب الجينات دورًا في الإصابة بالزهايمر؟
تلعب العوامل الوراثية دورًا في بعض أنواع الخرف، ومنها مرض الزهايمر، لكن وجود عامل وراثي لا يعني بالضرورة أن الشخص سيصاب بالمرض بصورة حتمية.
ويحاول العلماء فهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية في العمليات التي تحدث داخل الدماغ، ومنها طريقة التعامل مع البروتينات والاستجابة الالتهابية وآليات التخلص من المواد المتراكمة.
ولا تزال العلاقة بين العوامل الوراثية والتغيرات التي تؤدي في النهاية إلى تلف الخلايا العصبية مجالًا مهمًا للبحث العلمي.
التقدم في العمر وعلاقته بتراكم البروتينات
مع التقدم في العمر تتغير قدرة الجسم على التخلص من بعض البروتينات والمواد الناتجة عن النشاط الطبيعي للخلايا، وقد تصبح عملية التخلص من هذه المواد أقل كفاءة.
وهذا لا يعني أن التقدم في العمر يؤدي حتمًا إلى الإصابة بالزهايمر، لكنه يمثل أحد العوامل المهمة التي ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالعديد من الأمراض التنكسية العصبية.وتكمن أهمية دراسة هذه التغيرات في محاولة فهم المراحل التي تسبق ظهور الأعراض بوقت طويل، وهو ما قد يساعد مستقبلًا في تطوير طرق أفضل للوقاية والتشخيص والعلاج.
ألزهايمر ليس السبب الوحيد للخرف
من المهم أيضًا التمييز بين مرض الزهايمر والخرف؛ فالخرف وصف لمجموعة من الأعراض التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرات اليومية، بينما الزهايمر أحد الأمراض التي يمكن أن تؤدي إلى هذه الحالة.
وتوجد أنواع أخرى من الخرف، مثل الخرف الجبهي الصدغي والخرف المصاحب لأجسام ليوي والخرف الوعائي، ولكل منها تغيرات مختلفة داخل الدماغ والبروتينات المرتبطة بها.
كما أن بعض الحالات التي تؤدي إلى أعراض تشبه الخرف قد تكون قابلة للعلاج، ومنها بعض اضطرابات الهرمونات والتمثيل الغذائي، وبعض حالات العدوى أو إصابات الرأس أو نقص الأكسجين، ولذلك فإن تقييم السبب الدقيق للأعراض أمر ضروري.
لماذا يهتم العلماء بفهم أسباب الزهايمر؟
فهم ما يحدث داخل الدماغ خطوة أساسية للوصول إلى طرق أكثر فاعلية للتعامل مع المرض، إذ لا يقتصر البحث على معرفة وجود اللويحات أو التشابكات، وإنما يمتد إلى دراسة السبب الذي يؤدي إلى ظهورها، وكيف تنتشر التغيرات بين مناطق الدماغ، وما الذي يجعل بعض الخلايا أكثر عرضة للتلف من غيرها.
كما يدرس العلماء العلاقة المتبادلة بين بيتا أميلويد وتاو والالتهاب والاستجابة المناعية والعوامل الوراثية، بهدف الوصول إلى صورة أكثر وضوحًا للمراحل المبكرة التي تسبق فقدان الخلايا العصبية وظهور أعراض الزهايمر.