في قلب الهوية المصرية الممتدة عبر آلاف السنين، يظل التقويم القبطي (المستمد مباشرة من التقويم المصري القديم) بمثابة الساعة البيولوجية والزراعية التي تضبط إيقاع الأرض والناس.
ومن بين شهور هذا التقويم الاثني عشر، يبرز شهر "أبيب" (الذي يبدأ في الثامن من يوليو وينتهي في السابع من أغسطس) كحلقة وصل فريدة؛ فهو الشهر الذي تتشابك فيه الأساطير الدينية الفرعونية القديمة مع حسابات الحصاد والفيضان التي لا يزال الفلاح المصري المعاصر يتبعها حتى اليوم.
صراع "حورس" والانتصار للخصب
تعود تسمية الشهر في الديانة المصرية القديمة إلى "أيببي" أو "إيبب"، وهو الاسم المرتبط بالمعبود "أبيس" (العجل المقدس رمز الخصوبة والقوة)، كما تشير بعض البرديات التاريخية إلى ارتباطه بالإلهة "إيبت" أو "تاورت" التي كانت تُمثَّل على هيئة فرس نهر وتحمي عمليات الولادة والتجدد.
لكن البعد الأسطوري الأكثر إثارة لشهر أبيب يتمثل في كونه زمن "الفرحة الكبرى"، حيث اعتقد المصريون القدماء أن هذا الشهر يشهد الصراع الملحمي الأخير والانتصار الحاسم للإله حورس (رمز الخير والنظام) على الإله ست (رمز الفوضى والجفاف)، هذا الانتصار لم يكن مجرد قصة ميثولوجية، بل كان التفسير الروحي لعودة الحياة إلى نهر النيل واقتراب موسم الفيضان الذي يغسل جفاف الصيف.
أبيب في الموروث الشعبي
انتقلت هذه المكانة المتميزة لشهر أبيب من جدران المعابد إلى الوجدان الشعبي المصري، وصيغت في أمثال عامية بليغة تلخص طبيعته المناخية والزراعية.
و يعد المثل الشهير "أبيب.. فيه الخيار يطيب، والزبيب يطيب" (في إشارة إلى نضج العنب وتحوله لزبيب) هو الأكثر تداولاً.
و يتسم هذا الشهر بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، وهو ما يمثل بيئة مثالية لنضج وتذوق الفواكه الصيفية في مصر.
وفي هذا التوقيت، تبدأ الأسواق المصرية بالامتلاء بخيرات الأرض من التمور حيث تبدأ بواكير البلح في التحول من اللون الأخضر إلى الألوان الصفراء والحمراء، و العنب والتين التى تصل السكريات في هذه الثمار إلى ذروتها بفضل حرارة شمس أبيب الحارقة، و المانجو ينطلق في هذا الشهر الموسم الفعلي لجني المحصول الأشهر في مصر، وخاصة في مزارع الإسماعيلية والشرقية.
من "الفيضان" إلى "تنظيم الري"
قديماً، كان أبيب هو شهر التأهب والترقب، ففيه تبدأ المياه القادمة من الهضبة الإثيوبية بالوصول إلى حدود مصر الجنوبية، معلنةً بدء الفيضان السنوي ، حيث وكان الفراعنة يقيمون طقوساً دينية شكرًا للآلهة على تدفق "حعبي" (إله النيل).
أما اليوم، ورغم تغير النظم الهيدروليكية للنهر وبناء السدود التنظيمية مثل السد العالي، لا يزال شهر أبيب يمثل ذروة "الموسم الصيفي المتأخر" في قطاع الزراعة الحديث.
و يعتمد المزارعون على هذا التوقيت بدقة لمعرفة موجات الحرارة، وتجهيز الأراضي للدورة الزراعية المقبلة (الموسم النيلي والشتوي).