في الموروث الشعبي المصري حكمة لا تشيخ، تتنفس في صدورنا كأنها وصية واجبة الحفظ: «العدل فوق الجميع، ويعشقه المخلوق». ليست مجرد شطر في أغنية، بل هي العقد غير المكتوب الذي يربطنا بالحياة؛ ذلك الحنين الفطري إلى الحق، الذي يجعلنا نبكي غيابه حتى ونحن لا نجد له اسمًا. وحين غاب هذا العدل عن المستطيل الأخضر، لم يكن ما انكسر مجرد نتيجة مباراة، بل كانت تلك «الطمأنينة الهشة» التي نستند إليها في وجه هذا العالم العابث.
لقد زرعوا فينا، منذ الصغر، وعدًا كاذبًا: أن قواعد اللعبة مقدسة، وأن الحكم كائن محايد لا يرى لون القميص ولا يحفظ الأسماء، وأن المسافة بين الحلم والواقع تُقاس فقط بحجم العرق المبذول. صدقنا هذا الوعد، فكان طفل الحارة يركض خلف الكرة كأنه يركض خلف مصيره، وكانت الأمهات يرقبن أبناءهن في فجر الطموح كأنهم يحملون قضايا أمة. وحين سقط هذا اليقين تحت مطرقة «الفيفا»، لم تسقط كرة في شباكنا، بل سقطت ثقتنا في أن العدالة ما زالت تسكن هذا الكوكب.
في تلك الليلة، لم نكن وحدنا. كانت غزة الحاضرة الغائبة ترفرف بأعلامنا بين الركام. ذلك المراهق الفلسطيني، الذي يعرف صوت الطائرة قبل أن يعرف الحروف، كان يركض بين الأنقاض حاملًا علمي مصر وفلسطين، رافعًا إياهما كتميمة إيمان بأن الدنيا يمكن أن تستقيم يومًا. كان ذلك الصغير يهتف لنا، دون أن يدري: إن المظلوم لا يحتاج إلى وطن محرر بالكامل ليفرح، بل يحتاج فقط إلى «شاهد عادل» يرى وجعه، أو «فريق» ينتصر لكرامته في ركن ما من العالم.
وربما لهذا كان الجرح مضاعفًا. كان حسام حسن يحمل هذا الهم فوق كتفيه، حين رفع علم فلسطين في وجه الكاميرات، وحين تحدث بصوت يرتجف، لا من ضعف، بل من قهر المحاصرين. لم تكن كلماته تكتيكًا رياضيًا، بل كانت صرخة في وجه «مؤسسة» لا تغتفر للمرء انحيازه إلى إنسانيته. فجاءت صافرة الحكم، المغلفة بمظلة «الفيفا»، كأنها مقصلة تقطع الطريق، في رسالة وقحة تقول: «من يتجرأ على ذكر فلسطين سيدفع الثمن من فرحة أهله».
إن الظلم لا يسرق الحق وحده، بل يسرق «بهجة الوصول إليه»، وهي أفدح السرقات. فالفوز المستحق هو اعتراف بأن العالم ما زال بخير، وأن غدنا يستحق العناء. أما حين يُنتزع الحق أمام أعيننا باسم «القانون»، فإننا لا نخسر مباراة، بل تتهشم فينا الرغبة في المحاولة. نتذكر حينها كم من طالب سُرق مقعده، وكم من صوت وُئد في الظل، وكم من شعوب دفعت أثمانًا بخسة لموازين القوى.
ستظل تلك الليلة ندبة في ذاكرتنا، لكننا، رغم كل شيء، سنعلّم أطفالنا أن العدل، وإن تأخر، فإنه قدر الحق. سنظل نردد الأغنية ذاتها، ونعشق العدل رغم أنف من يملكون الصافرة، مدركين أن «الفيفا» قد تملك سلطة «إضفاء الصبغة الرسمية على لصوصية الأحلام»، لكنها ستظل دائمًا خائبة أمام إيماننا؛ فمهما طال ليل الظلم، ستظل «الصافرة» مجرد أداة في يد لص، بينما سيظل العدل، في قلوبنا، هو السيد، وهو الحقيقة التي لا تُغتال.