ليست كل أفلام الرعب تحتاج إلى بيتٍ مسكون أو غابة معزولة كي تزرع الخوف؛ أحيانًا تكفي طائرة على ارتفاع آلاف الأقدام، حيث لا مفر ولا مكان للهروب. من هذه الفكرة ينطلق فيلم Black Box، مستغلًا أحد أكثر الأماكن التي تمنح الإنسان شعورًا بالأمان أثناء السفر ليحولها إلى مسرح لعزلة خانقة ورعب متصاعد. وبين الغموض والخيال العلمي والإثارة النفسية، يحاول الفيلم أن يقدم تجربة تبقي المشاهد في حالة ترقب دائم، معتمدًا على فكرة بسيطة تتطور تدريجيًا إلى مواجهة غير متوقعة.
تبدأ الرحلة كما هو متوقع؛ المشروبات تُقدَّم، والركاب يستمتعون برحلتهم، ولا شيء يوحي بأن خطرًا يقترب. لكن ما إن تنطفئ إشارة ربط الأحزمة حتى تنقلب الأمور رأسًا على عقب، وتتحول الرحلة الجوية الاعتيادية إلى سلسلة من الظواهر الغامضة والرعب الخالص، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والكوابيس، ويجد الركاب أنفسهم في معركة من أجل البقاء وسط أعطال تقنية غريبة، وأحداث تبدو خارجة عن المألوف، وتأثيرات توحي بأن مصدرها ليس من هذا العالم.
أحد أكثر جوانب الفيلم تميزًا هو استلهامه لحوادث اختفاء الطائرات التي شغلت العالم لعقود، وأثارت عددًا لا يحصى من نظريات المؤامرة والتكهنات. ويحاول Black Box توظيف هذه الفكرة لتقديم تصور خيالي للإجابة عن تلك الألغاز التي حيّرت الكثيرين. ومن الأفضل قولها بوضوح: Black Box هو، في النهاية، فيلم عن الكائنات الفضائية.
وجزء كبير من متعة المشاهدة يكمن في الغموض الذي يحيط بالأحداث في بدايتها. ففي البداية، يصاب أحد الركاب بوعكة صحية عنيفة تنتهي بوفاته، ما يدفع الجميع للاعتقاد بأن هناك وباءً أو عدوى تنتشر داخل الطائرة. لكن هذه الفرضية لا تستمر طويلًا، إذ تُستبعد سريعًا، ليتضح أن ما يحدث يرتبط بقوى غامضة ذات منشأ غير أرضي.
ومن دون الخوض في تفاصيل قد تفسد متعة المشاهدة، يمكن القول إن الفيلم يدور في جوهره حول عملية استيلاء فضائي على الطائرة، مع تشابهات واضحة مع فيلم Invasion of the Body Snatchers. ورغم أن العمل يضم عددًا كبيرًا من الشخصيات، فإن التركيز الأساسي ينصب على شخصية جيريمي، التي يجسدها توم بريتاني، وهو راكب يسافر بمفرده، ويصبح أول من يدرك أن ما يحدث على متن الطائرة ليس نتيجة مرض أو عدوى، بل تأثير نفسي ناتج عن ترددات غامضة تصدرها كائنات فضائية.
وربما كان من الأفضل أن يحتفظ الفيلم بأجواء الغموض لفترة أطول قبل الكشف عن الحقيقة، لأن جانبًا كبيرًا من التوتر ينبع من ردود أفعال الركاب تجاه الظواهر الغريبة داخل الطائرة وخارجها. فالكلاب الموجودة في عنبر الشحن تدخل في حالة هيجان، والركاب يعانون صداعًا لا يُحتمل، فيما تتآكل أعصاب الجميع تدريجيًا مع تصاعد الأحداث.
ولا يمكن وصف الكشف عن الفضائيين بأنه مخيب للآمال، لأن الطريقة التي يقدم بها الفيلم هذا الغزو تبدو مبتكرة وذكية، لكن الإيقاع بدا متعجلًا في كشف اللغز، وكان من الممكن استثمار حالة الغموض لفترة أطول لتعزيز التوتر النفسي قبل الانتقال إلى مرحلة المواجهة.
ولا يقدم Black Box تجربة خفيفة أو مريحة، بل يزداد قتامة مع تقدم الأحداث، خاصة بعد انكشاف طبيعة التهديد الحقيقي. ومن أبرز نقاط القوة في الفيلم تصميم الكائنات الفضائية، إذ يتجنب المبالغة التي تقع فيها كثير من أفلام الخيال العلمي، ليقدم مخلوقات تبدو مألوفة بالقدر الذي يجعلها أكثر إزعاجًا، وفي الوقت نفسه مميزة وفعالة داخل عالم الفيلم.
أما من شاهد فيلم Disclosure Day، فلا ينبغي أن يتوقع تجربة مشابهة. فـBlack Box يقدم قصة أكثر ظلامًا ودموية، ويرفض تمامًا فكرة الزوار الفضائيين المسالمين، ليصورهم باعتبارهم قوة تسعى إلى السيطرة والهيمنة.
ورغم اعتماد الفيلم على بعض العناصر المألوفة في هذا النوع من الأعمال، واستعجاله في كشف أسراره بدلًا من بناء الغموض تدريجيًا، فإنه يظل تجربة ممتعة في مجملها، تنجح في الحفاظ على إيقاعها حتى النهاية. وباستخدام تشبيه يناسب أجواء الفيلم، يمكن القول إن Black Box ينجح في الهبوط بطائرته في النهاية... وإن لم يكن هبوطًا آمنًا، فذلك ببساطة لأنه ليس ذلك النوع من الأفلام.