تحمل بين جوانحها عهدًا قديمًا قطعته على نفسها؛ عهدًا من الحب والوفاء. ظل ذلك العهد يطاردها ويتحداها حتى وهي تقف هناك، في القمة، على ارتفاع يزيد على ألفي متر، حيث كان الصدق والكارثة يلتقيان في لحظة واحدة.
اعترفت لها صديقتها بالحقيقة؛ اعترفت بأنها كانت على علاقة بزوجها. في تلك اللحظة لم تكن الدموع التي انحدرت على وجنتيها مجرد دموع، بل كانت نارًا تحرق القلب وتذيب ما تبقى من صلابة التحدي. هناك طعنات تقتل لأنها تأتي من الأعداء، وهناك طعنات أشد قسوة لأنها تأتي ممن منحناهم الثقة. لم تكن هذه طعنة في ميدان مواجهة، بل خيانة تسللت من أقرب الناس، فلم تترك لها فرصة للحذر أو الاستعداد.
ظل أثر تلك الخيانة عامًا كاملًا ينهش روحها. لم يفارق يدها كأس الخمر، ولم يفارق قلبها الحزن. لم يكن ذلك لأنها أرادت الاستسلام، وإنما لأنها كانت أسيرة عهد ظنت أن الحياة لا تستقيم إلا به، حتى بدا لها أن الموت هو المخرج الوحيد من ذلك الألم الذي امتد إلى كل خلية في جسدها، وكأن الحياة نفسها أعلنت العصيان على البقاء.
لكن الحقيقة، على قسوتها، كانت بداية الخلاص. فما إن اعترفت لها صديقتها حتى بدا وكأن لعنات الماضي قد انتُزعت من أعصابها دفعة واحدة. لم تعد أسيرة الوهم، ولم يعد الخداع قادرًا على ابتلاع ما تبقى منها.
كأن القدر لم ينتقم منها، بل انتقم لوفائها؛ فقد جعلها ترى الحقيقة كاملة، مهما كان ثمنها، لتفيق من غفلتها وتدفن صفحة سوداء لم تكن تستحق كل تلك السنوات من الألم. لم يكن ذلك الرجل يستحق الدموع التي ذرفتها، ولا العناء الذي عاشه قلبها.
كان السقوط سريعًا، كما كان الصعود شاقا. صعدت امرأة محطمة القلب، لكنها عادت بقلب أكثر صلابة، وببصيرة أكثر صفاءً. أدركت أن من نحبهم قد يخفون في داخلهم أعداءً، وأن من نظنهم بعيدين عن آلامنا قد يكونون سبب نجاتنا.
ليس المطلوب أن نشوّه الماضي حتى نستطيع العيش، بل أن نضعه في مكانه الصحيح: ماضٍ انتهى بكل ما حمله من أفراح وآلام. نعم نتذكر، وربما نتألم، لكن لا يجوز أن نموت بموته. فقد كان درسًا قاسيًا، لكنه أعاد للنفس قدرتها على الرؤية من علٍ، لتحكم على الحياة حكمًا أكثر عدلًا ونضجًا.