حازم حسين

الرئيس والإعلام.. دلالة التكرار والترتيب

الأربعاء، 08 يوليو 2026 02:00 م


تعرّفت إلى مكوّنات القيادة الاستراتيجية؛ فانبهرت بما علمت، وما خفى أعظم بالتأكيد.. لذا؛ لم أستغرب العودة إليه بعد يومين، فى فعالية رئاسية تُجسِّد تتمّة الافتتاح الرسمى.

وللأمانة؛ شعرت أنهما حدث مقسوم على اثنين. فكأنَّ أولهما يُعبّر عن وجه القوّة العسكرى، وثانيهما عن وجهها المدنىِّ، ولعلّ ظروفًا لا نعلمها فصلتهما، أو منعت اتحادَّهما فى ذات اليوم.

المُهمُّ؛ أنّ شقّ الجاهزية لمواجهة الأزمات، يستدعى التفكير فيما وراء ذلك من قنوات اتصال، وعُقَدٍ عصبية تُشَبِّك أجهزة الدولة، وتضمَنُ التكامل والتكاتف على رأس الساعة، وفى كلِّ المُلمِّات، المُتوقّع منها أو المفاجئ.

إنها فلسفة العمل الجماعى، وتقدير الوقت، وضمان كفاءة الاتصال، الخاص منه فى الدوائر المُغلقة، والعام الذى تتجلّى فيه الأوركسترا التنفيذية على مسرح الإعلام، وتُحمَل رسالة كل جهة منها؛ لتمتزج فى معزوفة مُتدفّقة، مُتجدِّدة، تكسرُ الاعتياد، ولا تفتقد الهارمونية.

والحالة الإعلامية تستدعى التوقف، ولولا ذلك ما أُثيرت المسألة مرارًا، ولا تداخل معها الرئيس مرّتين فى أقل من سنة، بين التوجيه بتشكيل لجنة فى أغسطس الماضى، والتكليف مؤخّرا بتنظيم مؤتمر.

الملاحظات عديدة، مُركّبة ومُتداخلة، بدءًا من المجال العام، وحال الوسيط نفسه، وطبيعة علاقته بالمُؤسّسات، والبيئة القانونية والإدارية، وضغوط الاقتصاد والتعليم والثقافة، وكلها مشبوكة فى دائرة؛ حتى لا تُعرَف فاتحتها من الخاتمة، ولا العِلّة من أوّل العلاج.

وانطلاقًا من توجيهات الرئيس فى الأوكتاجون، فقد اشتملت على ثماني نقاط لا تقل أهمية عن بعضها؛ غير أنه صدَّرَها بالإعلام، وثنّى بالحياة السياسية والمحلّيات، وبعدهما الرعاية الاجتماعية، ثمّ الاقتصاد والحوكمة والتعليم والإنتاج.

والترتيب ليس مجّانيًّا؛ إذ الاتصال أهم ما يستحقّ العناية فى بحث كل مسألة، صغيرة أو كبيرة، وفى كل القطاعات. منه تبدأ المعرفة، وتكتمل الصورة، وتُفعَّل الرقابة، لتُرشد للمُراجعة والاستدراك والتصويب.

لا يكره الإعلام ولا يُحِبّ، أو هكذا يُفترَض. وليس القصد أنه عقل بارد بلا قلب؛ إنما أنه يزِنُ الأمور بحساسية عالية، والمصلحة العامة مُقدّمة لديه على سواها، وقد تكون أحيانا فى الانحياز للخاص.

المُهمّ أن يكون قادرًا على الرؤية، مُتمكّنًا من الحركة، غير مُقيّد فى التفكير والتدبير، وغير مُنفلِت فى مُطاردة الأهواء، والغرائز التى تخص أصحابها، من عيّنة الذيوع والربح وإثارة الجدل، بغضّ النظر عن الكُلفة والعواقب.

وينبغى ألا تُحصَر المُقاربة فى الحيّز المؤسَّسى؛ إذ تحوّل المؤثّرون ومُنتجو المحتوى، وبعض الأشكال الإنتاجية الحُرّة، إلى منصات اتصال جماهيرى فاعلة، لها قدرة وصول عالية، ومُتحرّرة من أُطر التنظيم، وضاغطة على الوسائط التقليدية، أكان بعُلوّ السقف أم بابتلاع الإعلانات.

والدعوة ليست إلى التقييد، ولا التَّرك الكامل؛ إنما أن يتّسع قوس الرؤية للصورة كلها، وأن تُبحَث المسألة فى إطارها العريض، بما يسمح بُمفارقة الماضى، بدءا من تعريف الإعلام، وإلى التقنين والمتابعة ونماذج الأعمال والربحية، بما يترتب من حقوق خاصة وعامة.

وغير بعيدٍ؛ ما يجرى من تغوّل شركات التكنولوجيا على السوق، فى المحتوى والمردود، واللعب فى توازناته، ومُحاباة الأفراد وخوارزميات الإثارة والتنميط وفقاعات الإدراك، على حساب كل الاعتبارات المهنية والتنظيمية، فضلاً على الأثر القاتل من نماذج الذكاء الاصطناعى ومُلخّصاتها.

والحق، أنَّ الملف مُعقّد وملىء بالتفاصيل، وقليلون يرونه بدون اجتزاء أو تلوين. سيحصره البعض فى السقف، وآخرون فى المعلومات، وغيرهم فى الإعلانات، وفئة رابعة فى تغيّر المنافسة، فيما تعود الأزمة لكلّ تلك العناصر وأكثر معًا.

لدينا تلالٌ من الدراسات والمقالات، وتقرير مطوّل للجنة التطوير، وآراء لا حصر لها من الخبراء والأكاديميين، وصفحات المُمارسين على السوشيال ميديا مليئة بالملاحظات.

وأحسب أننا انتهينا من التشخيص، ونحتاج أن نمضى صوب العلاج. وذاك ما قصده الرئيس فى تكليفه، بفتح المجال لتعدد الآراء، ومناقشة التحديات والفرص، ووضع وصفة للتطوير المُستمر، وتحت الكلمة الأخيرة عِدّة خطوط.

ومهمّة ضياء رشوان، وكان مُنسّق الحوار الوطنى، ولم يكن بعيدًا من لجنة التطوير، فضلاً عن سنوات على رأس هيئة الاستعلامات ومنصب نقيب الصحفيين، أن يبدأ مِمّا انتُهِى إليه، وأن يُوظّف خبرته العمليّة والإدارية لحَرق المراحل، والقفز على خط الثبات.

ولأجل أن يُطرَح الملف طرحًا وافيًا، يتوجّب أن يكون موسّعًا، ومُنظّمًا، وفى مسارات لا تُهدر الطاقات والأفكار، ولا تزهدها مهما بدت بسيطة وهامشية. ونحتاج لهذا أن نبدأ فورًا، وأن تنشط الوزارة بكامل جهدها، على كل المحاور والاتجاهات.

وأوجب الواجب؛ ألا يُختَزَل التمثيل فى بعض المجموعات المُتكررة، ولا حتى مجالس النقابات وحدها، وأن تُدَشّن منصّة من الآن لتلقّى المُقترحات وفرزها، وتسجيل أسماء الراغبين فى المشاركة.

مع توزيع الخطة على محاور ومساقات، وبدء مجموعات وورش عمل قاعدية، تنطلق من المؤسسات الإعلامية والأقسام المُتخصصة بالجامعات، وتتدرج صعودًا.

أزمة الإعلام يعانيها الجميع راهنًا، وتتعاظم تداعياتها على الشباب مُستقبلاً، فيما يحتكر الشيوخ نقاشها. والأصل أن الذين لن يدفعوا فواتير الغد، يجب ألا يحتكروا رسمه اليوم.

الحكومة شريكٌ وراعٍ، وتحتاج لأن تبدأ بنفسها عبر تطوير خطابها الإعلامى، وهيكلة منظومة المتحدثين والمستشارين. ثم إيلاء الاهتمام الواجب للتكليفات الرئاسية، والانفتاح على كل الأطراف والأفكار.

لم يعُد الأمر رفاهية. قد لا يتّضح للبعض أثر الهشاشة؛ إنما سنرى جميعًا عوائد العافية. بإمكان الإعلام أن يقدّم أضعاف ما يفعل، وأن يكون مُحفّزًا لبقية القطاعات.

العين واليد، للكل وعلى الكل، يُثبِتُ فيُثَبِّتُ، ويُصوِّب فيُصوِّب.. وفى كل الأحوال يُقوّى ولا يُضعِف؛ لأنه ينتخب الأفضل فيُعزّزه، ويفرز الأسوأ ليستبعده، ويُؤكّد أنه ليس لدينا ما نخشاه.

ضوء قد نسير فى غيبته؛ إنما معه سنكون أسرع وأدق وأقدر على الوصول الآمن.. قوّة مُضافة لحاضرنا، وتذكرة للمستقبل، وتتمّة لإنجاز ثورة 30 يونيو وخارطة طريقها، والمؤكد أن التزامن فى توجيه الرئيس ليس مصادفةً أبدا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة