من منا لم يشعر في طفولته بالخوف عندما اقتربت "ذات الرداء الأحمر" من بيت جدتها، ليظهر الذئب متخفيًا في ثياب الجدة، بعد أن كشفت له طريقها، رغم تحذير أمها لها أن لا تتحدث مع الغرباء؟ ورغم أن القصة تُروى منذ مئات السنين، فإنها ما زالت تحتفظ بقدرتها على إثارة التوتر والخوف عند الأطفال، حتى مع اختلاف الأزمنة وتغير طرق التربية.
تعود جذور "ذات الرداء الأحمر" إلى حكايات شعبية أوروبية تناقلها الناس شفهيًا لقرون، قبل أن يصوغها الكاتب الفرنسي شارل بيرو (Charles Perrault) في كتابه الشهير حكايات أمي الإوزة عام 1697، والمفاجأة أن هذه النسخة لم تكن موجهة للأطفال بالأساس، بل انتهت نهاية مأساوية، إذ يلتهم الذئب الطفلة وجدتها، لتكون القصة بمثابة تحذير أخلاقي من مخاطر الثقة في الغرباء.
وبعد أكثر من قرن، أعاد الأخوان غريم (Jacob وWilhelm Grimm) صياغة القصة ضمن مجموعتهما الشهيرة من الحكايات الشعبية، وأضافا شخصية الصياد الذي ينقذ الجدة والطفلة، لتصبح النهاية أقل قسوة وأكثر ملاءمة للأطفال، وهي النسخة التي انتشرت في معظم أنحاء العالم.
وتشير الباحثة ماريا تاتار (Maria Tatar)، المتخصصة في الأدب الشعبي بجامعة هارفارد، إلى أن بقاء الحكاية لم يكن بسبب أحداثها وحدها، بل لأنها نجحت في تحويل مخاوف الإنسان الأساسية إلى قصة بسيطة يفهمها الصغار والكبار على حد سواء.
لماذا يخاف الأطفال من الذئب؟
من ناحية أخرى يرى باحثون في علم النفس أن سبب بقاء القصة حيّة حتى اليوم لا يرجع إلى الذئب وحده، بل إلى الطريقة التي بُني بها التوتر داخل الحكاية، فالطفل يعرف منذ البداية أن الذئب يمثل خطرًا، بينما لا تعرف البطلة ذلك، فيظل ينتظر اللحظة التي ستكتشف فيها الحقيقة، وهو ما يخلق شعورًا بالترقب والقلق.
كما يثير تنكر الذئب في هيئة الجدة سؤالًا مقلقًا لدى الطفل، وهو هل يمكن أن يبدو الخطر في صورة شخص نثق به؟ وهو سؤال يتجاوز حدود القصة، ليلامس أحد أقدم مخاوف الإنسان، وهو صعوبة التمييز بين الأمان والخداع.
هل القصص المخيفة تضر الأطفال؟
رغم الاعتقاد الشائع بأن القصص المخيفة قد تؤذي الأطفال، تشير دراسات في علم نفس النمو إلى أن الحكايات الخيالية تساعد الطفل على التعامل مع مشاعر الخوف داخل بيئة آمنة، ويرى عالم النفس برونو بيتلهايم في كتابه The Uses of Enchantment أن القصص الخيالية لا تزرع الخوف في نفوس الأطفال، بل تمنحهم لغة رمزية لفهمه والتغلب عليه.
كما نشرت مجلة Child Development أبحاثًا تشير إلى أن القصص التي تتضمن صراعًا ونهاية واضحة تساعد الأطفال على تنمية مهارات التنظيم الانفعالي، وفهم عواقب القرارات، والتعاطف مع الآخرين، خاصة عندما يناقش الآباء أحداث القصة مع أطفالهم بعد الانتهاء منها.
أكثر من مجرد قصة
ورغم مرور ثلاثة قرون على تدوينها، فلم تكن “ذات الرداء الأحمر” قصة عن ذئب وطفلة فحسب، بل حملت عبر تاريخها رسائل تربوية متعددة، أبرزها الحذر من الغرباء، وعدم الابتعاد عن الطريق الآمن، والاستماع إلى نصائح الكبار، بجانب فتح حوار بين الطفل ووالديه حول الخوف، والثقة، واتخاذ القرار.
جدير بالذكر أنه ما زالت “ذات الرداء الأحمر” واحدة من أكثر قصص الأطفال قراءةً وترجمةً واقتباسًا في الكتب والأفلام والمسرح، لترسيخ الفكرة الأساسية وهي ربما لا يخاف الأطفال من الذئب نفسه بقدر ما يخافون من فكرة أن الخطر قد يختبئ خلف وجه مألوف، وهو الدرس الإنساني الذي منح هذه الحكاية قدرة استثنائية على البقاء لأكثر من 300 عام.