من قلب الركام، تنبعث الخيوط الأولى لفجر كروي جديد، لم يكن أشد المتفائلين يظن أن سفينة الفراعنة، التي تقاذفتها أمواج الإخفاقات لسنوات، ستجد مرساها الأخير في شواطئ المجد المونديالي.
لكن، حين يتولى "العميد" القيادة، تتحول الشكوك إلى يقين، وتصبح الساحرة المستديرة طوع بنان المقاتل الذي لا يهدأ.
نجح حسام حسن في فك الشفرة المستعصية، محققاً الفوز الأول لمصر في تاريخ كأس العالم، ولم يكتفِ بذلك، بل كسر عقدة الأدوار الإقصائية ليعبر بالمنتخب إلى دور الستة عشر للمرة الأولى في تاريخه.
لم تكن هذه القفزة وليدة الصدفة، بل نتاج هندسة نفسية وفنية دقيقة، استطاع من خلالها العميد إرساء توازن مفقود داخل غرف الملابس.
بذكاء القائد الحكيم، استوعب النجوم الكبار واحتوى حماس الصغار، مانحاً الفرصة لوجوه جديدة صاغت للمنتخب هيبة مختلفة.
تحول الملعب تحت قيادته إلى ساحة للعزف القتالي؛ فبرز الموهوب الصغير حمزة عبد الكريم كأيقونة للمستقبل، وتلألأت موهبة زلاكا ومحمود صابر، فيما وقف الحارس مصطفى شوبير سداً منيعاً يحمي أحلام المصريين.
هذه التوليفة لم تصنع فريقاً يركض خلف الكرة فحسب، بل خلقت جسداً واحداً يؤمن بالانتصار، وينبذ رهبة القوى العظمى في عالم اللعبة.
لقد غرس حسام في نفوس رجاله عقيدة قوامها أن المستطيل الأخضر لا يعترف بالتاريخ، بل يركع لمن يعرق أكثر.
هذا التحول الفني واكبه زحف جماهيري خلف الشاشات والمدرجات، حيث نجح العميد في خلق حالة فريدة من المحبة والاصطفاف الوطني، ليتنفس الشارع المصري كرة القدم بشغف لم يعهده منذ سنوات، ارتفع سقف الطموح، وتبددت المخاوف، وتلاشت مهابة الأسماء الرنانة.
غداً الثلاثاء، يصطدم الفراعنة بمنتخب الأرجنتين في مواجهة حبس الأنفاس، وفي المعتاد، قد يرتعد المنافسون أمام عبقرية ليونيل ميسي، لكن الشارع المصري يعيش حالة من التفاؤل الاستثنائي.
لم يعد المصريون يخشون ميسي ولا رفاقه، فالعميد علمهم أن الخوف هو العدو الأول، وأن من عبر بوابات التاريخ لا يلتفت للوراء.
غداً، يلتقي طموح الفراعنة بكبرياء التانغو، في صراع لن يكون فيه المصريون مجرد ضيوف شرف، بل أسياداً يبحثون عن كتابة سطر جديد في رواية المجد.