حازم حسين

أضلاع الأوكتاجون الثمانية

الإثنين، 06 يوليو 2026 02:00 م


جمجمة ضخمة، وفيها عقل مركزى تمتد وصلاته العصبية إلى الأطراف، وتشكل انتقالا عريضا فى المكان والزمان: الأول نحو عاصمة الجمهورية الجديدة، والثانى إلى التقنية والتحديث وتلافى أخطاء الماضى دفعة واحدة.

كان الحدث بهيًّا ومبهجا فى كل تفاصيله، وفيما وراء الظاهر من معانٍ ورسائل، لمّح إليها الشكل، وصرّح بها المضمون. بلد يستكمل النهوض من كبوته، ومستقبل تنجلى ملامحه يوما بعد آخر، وفلسفة تنضج على مهلٍ: بحماسة لا استعجال، وبإتقان لا إبطاء.

صارت تفاصيل القيادة الاستراتيجية «الأوكتاجون» معروفة للجميع، وقد يفيد التذكير. إنها الأكبر من نوعها فى المنطقة كلها، وربما فى العالم؛ إذ تتخطى البنتاجون حجما وإمكانات. أكثر من 92 مليون متر مربع، وهيكل ثمانى أخذت منه اسمها، ويرمز لأفرع القوات المسلحة؛ على أنه يتسع للتأويل أيضا.
بإمكان الراغب أن يفسره على معنى الإشارة للجغرافيا أو الزمن فى مستوياتهما المتداخلة، أو يُرتب عليه الأولويات من أعمدة بناء الدول والحضارات، أو عناصر القوة الشاملة.

وقد رأيت واحدا من التفاسير الممكنة فى كلمة الرئيس، وليست مصادفة أن يقرر فى مقام احتفال ذى طبيعة خاصة، الإعلان عن حزمة توجيهات للجهاز التنفيذى، وأن تكون ثمانية بعدد الأضلاع؛ فكأن القلب الصلب ينعكس على المدنية الناعمة، يقوّيها ويتقوّى بها فى آن.

وما قاله السيسى بعد توقيع الوثيقة وتدشين المقر رسميا، أقرب إلى برنامج عمل شامل للحكومة وبقية أجهزة الدولة، تتداخل فيه مسائل فنية وإجرائية، ويقع فى جزء منه فى نطاق الاستدراك وتطوير الأداء، وفى أجزاء أخرى يُلامس حد الهيكلة  والتصويب وإعادة الإطلاق من جديد.

توالت الملفات تباعًا: الإعلام، الحياة السياسية، الرعاية الاجتماعية، الاقتصاد ما بعد صندوق النقد، تخارج الدولة من السوق، الحوكمة ومواجهة الفساد، تطوير التعليم، وأخيرًا هيكلة جهاز المشروعات المتوسطة والصغيرة مع التركيز على الإنتاج.

والمؤكَّد أن العناوين ليست مُرتّبة حسب الأهمية، وقد يضع البعضُ عنصرًا منها قبل الآخر، أو نتَّفق جميعًا على أن التعليم يسبقها كُلّها؛ إلَّا أنّ تصديرها بالمسألة الإعلامية ليسَ مصادفة، ولا مجّانيًّا على الإطلاق.

ويدلُّ بالضرورة على أهمية المُعلَن فى ذاته، وعلى عناية المُعلِن به بشكل خاص، وما بينهما من ملاحظات ورهانات، أى جوانب القصور جنبًا إلى جنب مع الآمال المُعلّقة على محور الاتصال الجماهيرى عمومًا.

والحقُّ؛ أن الإعلام أخطر من أن يُترَك للإعلاميين وحدهم، أو يُسحَب منهم أيضًا، ويتفشّى فيه الهواة والإنفلونسر ومواقع «بير السلّم» كما يجرى الآن.
وفضلاً على أنه يستطيع أن يلعب أدوارًا أكبر؛ فإن السيولة الراهنة تُحمّل الدولة والمجتمع أعباء مُضاعفة، وليس أخطر من أن يفسد الدواء، أو تصبح وسائل العلاج سببا فى استفحال الداء.

وليست أوّل مرّة يُعرّج الرئيس على الموضوع، أو يُوجّه بشأنه. وقد تجاوز الإشارة العامّة إلى الدخول فى التفاصيل؛ حتى أنه دعا لمؤتمر سنوىّ، وحدّد موعده بالفعل، ووضعه تحت رعايته المباشرة.

كان التدخّل السابق مع لجنة التطوير، والتكرار ينمّ عن استشعارٍ لبطء المسار، أو ملاحظة على المُكلّفين به، وآخرهم وزير الدولة للإعلام، بعد نحو خمسة شهور كاملة من أدائه اليمين.

لدينا مُخرجات المرحلة الماضية، وتقرير اللجنة، وتلٌّ عالٍ من الرؤى وآراء المعنيِّين بالملف طوال الفترة الماضية.
ويجب أن تكون البداية من هُنا، على أن يتّسع قوس النظر والمُشاركة، ويُعَدّ للفعالية بمنطقٍ مُغايرٍ للسابق، خروجا من المناطق الآمنة للتقليديين والمحدودين والأصدقاء.

الأحزاب فى حاجة ماسّة لعمل جاد، وكثيف، أهمّه أن تُبادر وتشتغل على نفسها، بجانب إسناد الدولة المُتوقّع بعد تكليفات الرئيس.
وذلك؛ لتتحقّق الغاية العملية منها، نشاطًا ومُشاركة وتأهيلاً للكوادر؛ وكى لا يكون الذهاب إلى المحليّات لاحقًا منزوع الدسم والفاعلية.
اقتربنا من إنجاز برنامجنا مع الصندوق، وعلينا أن نُفطَم عنه. وهكذا جاءت الرسالة الرئاسية واضحةً، بامتلاك برنامج شاملة، برؤية وطنية خالصة، وهدف سامٍ ينتقل من التثبيت إلى الانطلاق.

التخارج من الأنشطة الاقتصادية ليس إصلاحًا شكليًّا؛ بل ضبط للجوهر، وسد لثغرات الماضى وما تُطلقه علينا من مُخلّفات الارتباك والتعثُّر وسوء الإدارة. القطاع الخاص أكفأ، والدولة تستحق أن تُعفى من أعباء الملكية المباشرة بقيودها الخانقة.

بالمشروعات الإنتاجية، المتوسطة والصغيرة، تتسع قاعدة العمل، وتتضاعف قيمته المُضافة، ويخرج المُجتمع فى موكب التنمية حشدًا مهولاً، وليس أجسادًا رخوة تتساند على أقدامٍ مُثقَلَة!

ويكتمل كل ذلك بترقية التعليم، ومواصلة إصلاح قاعدته العريضة، ومنها تتخرّج الكُتلة الأكبر من ثروتنا البشرية. وبالحوكمة وتجفيف رطوبة الفساد، يعتدل المائل ويستقيم دولاب الإدارة، ويُصار إلى إعلاء الأبنية ورفع كفاءتها على أسسٍ راسخة.

كان يومًا مشهودًا؛ لا سيما أنه يُتمِّم أجواء يونيو وثورته الناصعة. وأعتقد أنه كان مُقرّرًا للافتتاح أن يُنظّم فى اليوم السابق، الجمعة 3 يوليو/ ذكرى خارطة الطريق؛ لولا أن مُنتخب مصر شغل اليوم بمواجهته مع أستراليا فى أول الأدوار الإقصائية بكأس العالم.

لا شىء من دون دلالة، أو عفو الخاطر. أقسم مندوب الإخوان فى الرئاسة يوم 30 يونيو، ولمّا خانوا القسم ثار عليهم المصريون فى اليوم نفسه. خارطة الطريق كانت إيذانا بانطلاق الجمهورية الجديدة، وافتتاح الأوكتاجون تتمّة للسطر؛ ولو تسبّبت ظرفٌ عارض فى تأخير الموعد يومًا.

وتوجيهات الرئيس فى كلمته، رسالة باكتمال البناء، وبدء رحلة أخرى لا تقل طولاً وإرهاقا مع التصويب والتجويد والإتقان. أضلاع ثمانية، تقف شامخة فى العاصمة، ومثلها الآن على طاولة الحكومة وكل مسؤول، وعلى الجميع أن يكونوا على قدر اللحظة والتكليف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة