خالد عزب

مستقبل إسرائيل.. اليقين المطلق والأهداف المنهكة

الأحد، 05 يوليو 2026 12:37 م


أظهرت الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية تساؤلات عديدة حول مستقبل إسرائيل فى ظل يقين إسرائيلى مطلق بالانتصار وفرض وجود قوى فى المنطقة، وفى ظل حالة اللايقين لدى المواطن الإسرائيلى من استقرار أمنى فى حيز جغرافى غير صديق وحروب مستمرة منذ أن قامت دولة إسرائيل، فلا شك أن هذه الدولة لم تشهد حالة من حالات الاستقرار، فعسكرة الشعب جعلت من حالة اللايقين فى المستقبل عنصرًا راسخًا فى باطن الشخصية الإسرائيلية.

إن نظرة واحدة لهذه الدولة وشعبها المكون من اليهود وعرب الداخل، تبرز أن هناك مشكلات آخذة فى ضرب جذورها، ويُستشف من وسائط التواصل الاجتماعى فى الداخل الإسرائيلى أن غالبية الإسرائيليين تؤيد بنيامين نتنياهو وسياساته فى مرحلة الحرب، لتشهد تراجعًا حادًا مع انتهاء الحرب، وهذا ما جعل نتنياهو يرى الحروب أداة جيدة يحافظ بها على وجوده فى السلطة. على الجانب الآخر، فإن الساسة والخبراء والكتاب والمثقفين فى إسرائيل يبدون تخوفات لا حصر لها حول استقرار إسرائيل وأمنها، فى ظل لجوء الإسرائيليين إلى المخابئ لفترات طويلة فى عمق الداخل الإسرائيلي، فهل سيبقى هؤلاء فى إسرائيل بعد الحرب؟ لا شك أن عددًا منهم سيغادر، لكن من هم المغادرون؟ إنهم الكفاءات الصاعدة من الشباب فى المراحل العمرية من 15 إلى 25 سنة، وهو ما يعنى أن من سيظل منهم هم الأقل كفاءة وقدرات، وهو ما يجعل إسرائيل دولة قدراتها البشرية مستنزفة، خاصة مع فقدان إسرائيل التعاطف القوى الذى كانت تلقاه من الأوروبيين، فالشباب الأوروبى الصاعد لا يرى إسرائيل دولة مفيدة للأوروبيين، بل يراها عبئًا على أوروبا، وهذا ذاته نفس الموقف فى الداخل الأمريكي، فالحرب الأخيرة أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود فى حرب لا يرى المواطن الأمريكى ضرورة لها ولمصالحه، وبالتالى هى من وجهة نظره حرب لا فائدة مرجوة منها، لذا فمن المتوقع مع الأجيال السياسية القادمة فى أوروبا والولايات المتحدة خفوت تأثير اللوبى الصهيوني، مع تراجع فى تأييد إسرائيل وسياسات دعمها، وهذا كله ما يفسر لجوء اللوبى الصهيونى مع أنصار إسرائيل إلى استخدام الأساطير الدينية فى الترويج للحرب الأخيرة فى الولايات المتحدة الأمريكية، واستدعاء الدين جرى للتغطية على حرب بلا يقين وأهدافها متغيرة وبلا استراتيجية توضح كيفية إنهائها.

وصلت إسرائيل إلى حالة من حالات اليقين المطلق فى قوتها وقدراتها الحربية على التدمير، بل جاء نجاحها فى استهداف قيادات إيران بالقتل، إلى تخيل فرض هيمنتها عبر حرب نفسية ترسخ قوتها المطلقة وقدرتها على الوصول لأهدافها، وهذا الغرور القاتل يجعل من قادة إسرائيل لا يرون حالة العداء الشعبى لها فى جوارها الجغرافي، ففى ظل السلام البارد مع مصر والأردن، فالشعبان ينتشيان من أى خسائر سببتها الصواريخ الإيرانية فى الداخل الإسرائيلي، لم تستطع معاهدات السلام إنهاء هذا العداء الشعبي، بل كان الرئيس المصرى الراحل أنور السادات صادقًا حينما وجه كلامه لإسرائيل قائلًا: "إنه دون حل القضية الفلسطينية فلا سلام فى المنطقة".

لذا حتى لو حقق قادة إسرائيل انتصارات متتالية وأعلنوا النصر، فإن حالة الحرب المستمرة فى أى دولة لا يمكن منطقيًا أن تستمر دون نهاية تفضى للاستقرار، حتى فى ظل صعود تيارات متطرفة فى الداخل الإسرائيلى وتأييدها للعنف ضد العرب، وهنا تأتى التساؤلات عن الانتخابات التى ستجرى فى إسرائيل هذا العام ومن سيفوز بها، فائتلاف المعارضة الإسرائيلية لن يحقق نصرًا حاسمًا يشكل به حكومة، ونتنياهو لن يحقق نصرًا حاسمًا يشكل به حكومة، من هنا نستطيع أن نقر أن إسرائيل تذهب إلى مرحلة اللااستقرار سياسيًا، وهذه الحالة تنم عن ضعف فى الطبقة السياسية فى إسرائيل، فقد كانت تعتمد على عناصر أتت فى البداية من العصابات المسلحة التى شكلت جيش الدولة ثم ساستها، وكان الحل فى مرحلة لاحقة فى قادة أتوا من داخل الجيش الإسرائيلي، مثل: إيهود باراك وبنيامين نتنياهو، وبالتالى علينا أن نقر أن حكم إسرائيل من البداية حكمًا ديمقراطيًا فى الظاهر، عسكريًا فى الباطن، وظلت الأجهزة الأمنية والجيش الإسرائيلى هما المتحكمين فى الدولة الإسرائيلية، وهذا ما يجعل ما بعد الحرب الحالية مرحلة إما مصارحة أو صعود مقولات تغطى على الواقع فى إسرائيل، لقد أنهك الإسرائيليون سنوات الخدمة الاحتياطية فى الجيش، وعبء الحرب متعددة الجبهات، فالشباب الإسرائيلى وصل عدد كبير منه إلى نقطة الانهيار، فى الوقت الذى لا يخدم فيه الحريديم أو الإسرائيليون المتشددون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 فى الجيش الإسرائيلي، وصراخ الجيش الإسرائيلى فى ظل العجز فى صفوفه فى الفراغ، الآن هذا الصراخ له صدى فى كافة الأوساط، وهذا يعنى فى ظل مقاومة المتطرفين اليهود أن هناك شرخًا بين الجيش والمتطرفين، وبين المجتمع الإسرائيلى والمتطرفين الذين يقودون الدولة إلى مزيد من ممارسة القوة ضد الفلسطينيين والجوار الجغرافى القريب والبعيد.

ستأتى الانتخابات القادمة فى إسرائيل فى ظل إرث 7 أكتوبر 2023 وحرب غزة، وعدم المساواة الهيكلية فى المجتمع الإسرائيلى المتعدد الأعراق والمشارب. باتت هذه المعركة الانتخابية من أجل إعادة النظر فى جوهر العقد الاجتماعى نفسه. إن خطورة الوضع الحالى هو الذهاب نحو مزيد من التشدد حيال الفلسطينيين والعرب، وهو الخطاب الذى لطالما استند إلى القوة العسكرية فقط دون أى رؤية للسلام والتعايش. إن استمرارية نتنياهو فى منصبه هى استمرارية النهج المتشدد، وبدون إزاحته لن يكون هناك أى مجال للتغيير.

يبقى فى ظل هذا كله وضع الاقتصاد الإسرائيلى الذى شُلَّ فى ظل الحرب الأخيرة وتراجعت قدراته، وهو ما سيلقى بظلاله على مستقبل إسرائيل.

إذا كانت الانتخابات فى إسرائيل هذا العام ستأتى بحكومة جديدة، قد يكون لها سياسات مختلفة عن حكومة نتنياهو، فإن إسرائيل تواجه مستقبلًا غامضًا يحملها على ضرورة إعادة بناء الثقة على الصعيد الداخلى والثقة مع داعميها، والتى باتت مفقودة.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة

الفلاحة فى التراث العربى

الأحد، 21 يونيو 2026 11:37 ص

الرجوع الى أعلى الصفحة