تفتحت أعيننا على سردية أحادية وموجهة، أعاد الإعلام والتعليم والدراما إنتاجها لترسيخ صورة ذهنية نمطية عن الأسرة العلوية؛ بوصفهم حكاماً أجانب معزولين عن الهوية المصرية، لا يتكلمون العربية ويتعاملون بتعالٍ وفوقية مع الفلاحين (فلاح خرسيس، أدب سيس)، ويتحملون وحدهم مسؤولية إغراق البلاد في الديون التي مهدت الطريق للاحتلال البريطاني وتغلغله في الجسد المصري. حتى معالم النهضة فى تاريخ مصر الحديث التى بدأها محمد على وأكملها خلفاؤه غالبًا ما يتم التعتيم عليها أو إغفال أهميتها. وحين يأتى الحديث عن النقاط المضيئة مثل الحركة الوطنية وأبطالها من أمثال مصطفى كامل، أو ثورة 19 وما تلاها من كفاح وطنى، أو النهضة الثقافية والعلمية التى توجت بإنشاء الجامعة المصرية عام 1908، تتلافى السردية فى معظم الأحيان ذكر أي دور إيجابى لحكام مصر فى هذا الوقت.
هنا تحديداً تكمن عبقرية الدكتورة ريم بسيوني في "كوم النور"، فالرواية لا تأتي لتقدم "دعاية مضادة" سريعة، بل تفكك هذه السردية الأحادية السائدة وتتجاوز مجرد سرد الأحداث، لتدخل في مساحة إعادة الاعتبار الوجداني والتاريخي لآخر خديوى مصرى. فمشروع د. ريم يقوم فى مجمله على أنسنة التاريخ وإعادة قراءته والقاء الضوء على ما طواه النسيان وامتدت إليه يد التجاهل. إنه مشروع يؤكد أن التاريخ ليس مجرد توثيق للأحداث، بل هو ساحة صراع بين الذاكرة والنسيان، وبين الرواية الرسمية والأصوات المهمشة. ومن هنا، يأتي مشروعها كفعل استرداد، واستعادة للكرامة، وإنصاف لمن غيبتهم الكتابة التاريخية عن عمد أو عن غير قصد: "فصاحب الحكاية هو من يرويها، وليس فقط من يعيشها... الحياة هى الذاكرة لا أكثر". وتتكرر العبارات المؤكدة لهذه المقاربة على مستويين: الأول، في متن النص على لسان عباس حلمي، من خلال حرصه على كتابة مذكراته وحث ابنته على حفظها ونشرها؛ والثاني، في عتبات النص المتمثلة في المقدمة والخاتمة التى تؤكد فيهما الكاتبة على هذا الهدف من الحكى، مما يؤسس لتناغم بنيوي بين جوهر السرد وأطرافه التأطيرية..
تتأسس سردية عباس حلمي على مركزية النور التي لا تنحصر في بعدها التصويري أو الجمالي، بل تمتد إلى تشكيل أنطولوجيا النص ذاته. فكوم النور ليست مجرد قرية زارها الخديوى أو تلة، وإنما هى فضاء مقدس ورمز للمقاومة والهوية المصرية العميقة التي تبتلع الغزاة. تنطلق الرواية من أسطورة تأسيسية: تلّ يرى عليه الحاكم نور الشمس فلا يزول حكمه، فيرتبط النور من البداية بشرعية سياسية قوامها البصيرة لا القوة المطلقة سياسيًا، شرعية تنبع من الشعب وليس من مساندة المحتل سواءً كان عثمانيًا أو إنجليزيًا. يتجسد النور في مشروع عباس حلمي التنويري: نور العلم والحداثة عبر الجيش والجامعات والبعثات، ونور الوعي الوطني عبر صحف كـ"المؤيد" و"اللواء" و"الهلال". أما مصطفى كامل فيمثل النور الكاشف الذي يفضح للعالم فظائع الاحتلال بعد دنشواي، فيتحول الضوء من أداة بناء داخلي إلى سلاح مقاومة أمام الرأي العام، وصولًا إلى عزل كرومر. وتقابل هذا النورَ بنيةُ ظلٍّ مضادة: تآمر الاحتلال، ومحاولات طمس إرث عباس حلمي بعد نفيه. وقرية "كوم النور" ذاتها، بذاكرتها الشفوية غير المدوَّنة عبر شخصية الحاج عبد الله هلال، تصبح نور استرجاع تاريخي يعيد إضاءة ما أخفاه السرد الرسمي.

رواية كوم النور
والرواية تعد فى بنيتها وليس فقط فى مضمونها فعلاً ما بعد كولونيالى، فهى لا تكتفي بمعالجة موضوع مقاومة الاحتلال، بل تستخدم شكل الحكي الشعبي الملحمي فى مقابل سلطة الأرشيف الاستعماري (تقارير كرومر، الوثائق الرسمية) ، فيتحول عباس حلمي من "خديوي" في سجل تاريخي متنازع عليه إلى "بطل هلالي" في ذاكرة جمعية لا تملك الإمبراطورية حق تحريرها أو محوها. وهو ما يطلق عليه نجوجي واثيونجو في كتابه تحرير العقل: الشفاهة كمقاومة إبستيمية، حيث يربط نجوجي بين استعمار اللغة/المعرفة واستبعاد الأشكال الشفاهية الأفريقية. وعلى هذا يكون استدعاء بنية السيرة الشعبية العربية (الهلالية) بدل الرواية التاريخية "المتحضرة" بالمعنى الاستعماري هو تفكيك لتراتبية معرفية فرضها الخطاب الكولونيالي بين "التاريخ الموثق" (سلطة الأرشيف الأوروبي) و"الحكاية الشفاهية" (المتخيل الشعبي المُحتقر). وتتمثل هذه البنية فى الرواية فى الصيغة التكرارية كـنداء ملحمي والعنصر الغرائبى المتمثل فى البهلوانة أم الشعور. أولا تبرز الصيغة التكرارية التى تستدعى شخصية العم هلال باسمه الموحى، حيث تتكرر جملة "عمك هلال يدعو لك" أو "عمك هلال يتذكرك ويبعث لك السلام" بعد النفى، بنفس الصيغة أو بصيغ مشابهة لتؤدى وظيفة الصيغ الثابتة التي تميز الأدب الشفاهي وهى عبارات تتكرر بنصها لتؤطر كل انتقال سردي، وتذكّر السامع/القارئ بأن ما يُروى ليس تاريخًا موثقًا بل سيرة تُروى وتُعاد، تكرارها يخلق إيقاعًا طقسيًا أقرب إلى الحكي الشفوي منه إلى السرد التاريخي الخطي، فيضع عباس حلمي مباشرة في نسب أدبي مع أبطال السيرة الذين تُروى مآثرهم جيلًا بعد جيل عبر نفس الصيغ. وهذا ينسجم مع موقع الحاج عبد الله هلال كراوٍ شفاهي، فهو هنا لا يروي فحسب، بل يُنشد بأسلوب الراوي الشعبي. ويتعمق التأثير الشفاهى من خلال تحول عباس حلمى ومواقفه الوطنية إلى أغنية تغنيها الجدات والأمهات فى قرى الدلتا والصعيد " الله حى عباس جاى! ضرب البمبة فى إيد العمدة وتنه جى..".
أما العنصر الغرائبى فيتمثل فى شخصية "البهلوانة أم الشعور" التى تنقل صورة الحبل المشدود من مستوى الاستعارة السياسية إلى مستوى الحدث الغرائبي المتجسد. في السيرة الشعبية، العنصر الخارق (الجن، الفرسان الخوارق، الكائنات الغريبة) ليس زخرفًا بل أداة لتجسيد الصراع الداخلي للبطل في هيئة مرئية خارجية. فإذا كانت "أم الشعور" بهلوانة، فهي تحويل حرفي لاستعارة "الحاكم البهلوان على حبل السلطة" إلى كائن سردي فعلي يرافق عباس حلمي أو يعكس مصيره، أي أنها لا تُزيّن الرحلة، بل تروي جسديًا ما يعجز الخطاب السياسي المباشر عن قوله: هشاشة كل نور/شرعية معلّقة بين السقوط والتحليق. وتصبح بكل غرائبيتها المعادل الموضوعى لشخصية عباس حلمى الذى تحتم عليه السياسة تعلم الألاعيب، ويجسد سقوطها وكسر رجلها سقوطه ونفيه، ولكنها فى نهاية القصة تسير على الحبل برجل واحدة، متحدية الإصابة والعمر، فى انعكاس لصلابة عباس حلمى وعصيانه على الانكسار رغم كل شيء. ورغم النفى وفقدان العرش، فإن نهاية الحكاية، مثل كل السيرالشعبية، تنتهى بالانتصار. والانتصار هنا ليس هو عودته إلى سدة الحكم، ولكن هو انتصار لمشروعه التنويرى، انتصار يتجسد فى ”كل بنت تتعلم، وكل ولد يفخر بمجد القدماء، فى كل فلج، وكل مخرج للمياه العذبة". وهنا تصبح الرواية ذاتها انتصارًا من نوع آخر، انتصارا للحكاية على غياهب النسيان التى حارب الكثيرون لدفن إرث عباس حلمى الثانى فيها، فتحية للكاتبة على جهودها لإعادة الاعتبار لبطلنا المنسى.