لم تكن ليلة عادية، بل كانت ليلة من "ألف ليلة وولاء"، ليلة برهن فيها الفراعنة أن المستحيل ليس مصرياً، وأن التاريخ لا يُكتب بالحبر، بل بـ "عرق الجبين" وصيحات الملايين.
في ليلة مونديالية صاخبة، تراقصت شباك أستراليا على أنغام "يا أغلى اسم في الوجود"، ليعلن منتخب مصر تأهله الرسمي إلى دور الستة عشر بكأس العالم، كاتباً سطراً جديداً في سفر المجد، ليروض "الكنغرو" الأسترالي في أمريكا ويُقيم الأفراح في "القاهرة".
سهرت المحروسة حتى الصباح، ولم تكن الشوارع مجرد ممرات، بل تحولت إلى شرايين تتدفق بالفرحة، تجمعت الأسر أمام الشاشات في المنازل والمقاهي، تشابكت الأيدي، تآلفت القلوب، وعاش الجميع حالة من الحب والبهجة عزّ نظيرها.
لكن هدير الفرح المصري لم يتوقف عند حدود النيل، بل تردد صداه في عواصم الضاد؛ لتثبت المستديرة أنها تملك مغناطيسية تجمع ما تفرق، فكانت فيديوهات الدعم العربي تتدفق كشلالات من الوفاء.
ومن بين كل الجغرافيا، كانت هناك "غزة"، غزة التي تنام على الجرح وتستيقظ على الأمل، تحت أنقاض المباني التي هدتها الحرب القاسية، وفي حواريها التي أنهكها الألم وتعبت من صمت العالم، اجتمع الأشقاء، لم يمنعهم الركام من ركوب قطار الفرحة؛ تجمّعوا وهتفوا لمصر.
في تلك التسعين دقيقة، لم تكن مصر وحدها التي تجري في الملعب، بل كانت "العروبة" بكامل كبريائها تقف على قدميها.
هناك، تجلى العهد؛ فالدمعة واحدة، والبسمة واحدة، والقلب العربي يرفض أن تقسمه تضاريس الخرائط أو قسوة الظروف، لقد أرسلت غزة من وسط رمادها رسالة حية للعالم: ما يجمعنا كبير، نحن أمة يجمعها الدم قبل القلم.
هذا العبور المونديالي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بنكهة "العميد" حسام حسن وتوأمه إبراهيم، اللذين أعادا للمنتخب روحه "القتالية" وصاغا تكتيكاً لا يعرف الخوف.
وفي الميدان، كان الرجال على قدر الرهان؛ بداية من إبداعات الساحر محمد صلاح، ومروراً بقطار "تريزيجيه" الذي لا يتوقف، وجرأة إمام عاشور، وبسالة الحارس الشاب مصطفى شوبير الذي كان سداً منيعاً، وصولاً لعزيمة مروان عطية، وثبات رامي ربيعة، وموهبة هيثم حسن الواعدة.
ولأن لكل ملحمة بطلاً يغير مجرى السحاب، لابد أن نفرد مساحة من النور للنجم محمد هاني، الذي أثبت في هذه البطولة أنه "رجل المواعيد الكبرى" بامتياز.
في الوقت الذي ظن فيه البعض أن الجبهة اليمنى ستكون ثغرة، تحول هاني إلى "جدار برلين" مصري، أوقف خطورة أساطير المنتخبات الكبرى، وشلّ حركة مهاجمي أستراليا، لم يكتفِ بالتأمين ومنع "الخطر"، بل كان "مهندس" العبور بصناعته للأهداف وتمريراته الحاسمة التي كانت بمثابة هدايا على طبق من ذهب.
لقد كان هاني الضلع الذي لا يميل، والركيزة التي لا غنى عنها؛ لذا فالتحية له ليست مجرد ثناء، بل هي اعتراف بواقع صاغه بقدميه وعقله.
الفراعنة يقتربون خطوات كبيرة، والعروبة في أبهى صورها، والكرة في النهاية أثبتت أنها حين تتحدث بلسان مصري.. تنصت لها قلوب العرب جميعاً.