في تاريخ كرة القدم المصرية، هناك أسماء صنعت بطولات، وأسماء صنعت أرقاما، لكن هناك اسما واحدا صنع حالة استثنائية لم ولن تتكرر.. إنه حسام حسن، العميد رجل لا يمكنك أن تقف أمامه في منطقة الوسط، لأنه أسطورة لا تملك إلا أن تحترمه وتلتفت إليه أينما حل، لأنه صنع تاريخًا استثنائيًا داخل المستطيل الأخضر وخارجه، ليظل واحدًا من أكثر الشخصيات حضورا في الكرة المصرية.
بدأت حكاية حسام حسن في النادي الأهلي، حيث شبّ هو وشقيقه التوأم إبراهيم على ثقافة الفوز ولا شيء غيره، كان مهاجما مرعبا يقتنص الأهداف من أنصاف الفرص، ويبكي خلف المرمى إذا ضاعت ركلة جزاء أو خسر الفريق مباراة حتى لو كانت ودية، صال وجال بالقميص الأحمر، وحفر اسمه كأحد أهم المهاجمين في تاريخ القلعة الحمراء.
ولكن.. لأن حكاية حسام حسن لا تسير أبداً على وتيرة هادئة، جاء عام 2000 بالزلزال الأكبر في تاريخ الكرة المصرية، حيث انقَلَب المشهد تماما، وانتقل التوأم إلى الغريم التقليدي، نادي الزمالك، وفي ميت عقبة، لم يذهب حسام حسن للاعتزال، بل ذهب ليتحدى المستحيل، حيث قاد الزمالك في جيل ذهبي لمنصات التتويج محليا وأفريقيا، وأثبت للجميع أن ماركة حسام حسن لا ترتبط بلون القميص، بل ترتبط بروح المقاتل الذي يرتديه.
منذ ظهورحسام حسن فرض نفسه مهاجما لا يعرف الاستسلام، يمتلك شخصية قيادية وروحا قتالية جعلت الجماهير تلتف حوله، بينما كان منافسوه يحسبون له ألف حساب، وأثبت أن موهبته تتجاوز الانتماءات، واستمر في حصد البطولات والأهداف، حتى أصبح الهداف التاريخي لمنتخب مصر برصيد 69 هدفًا في 176 مباراة دولية، إلى جانب كونه أحد أكثر اللاعبين مشاركة بقميص الفراعنة.
ولم تتوقف رحلة العميد حسام حسن عند الاعتزال، بل انتقل إلى عالم التدريب بنفس الحماس الذي عرف به لاعبا، متنقلا بين عدد من الأندية المصرية والعربية، حيث حقق نجاحات متفاوتة، إلا أن شخصيته الحماسية وانفعالاته المستمرة على الخط بقيت جزءا من المشهد، فكان دائما حاضرا في عناوين الصحف، سواء بسبب نتائجه أو تصريحاته أو مواقفه المثيرة.
وبعد سنوات طويلة من المطالبات الجماهيرية، جلس حسام حسن أخيراً على مقعد المدير الفني لمنتخب مصر، إنه المقعد الذي طالما حلم به، وتأخر عنه كثيراً.
والآن، يقف العميد حسام حسن أمام التحدي الأكبر في مسيرته.. إعادة الهوية والروح القتالية لمنتخب الفراعنة، وبناء جيل جديد يستمد قوته من روحه العابرة للأجيال.
ومنذ تولي حسام حسن القيادة الفنية للمنتخب المصري، هدفه لا يقتصر على المشاركة المشرفة، بل يتمثل في صناعة تاريخ جديد للكرة المصرية، وقد ترجمت هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة، بعدما تأهل المنتخب إلى المونديال عبر مشوار قوي في التصفيات دون خسارة، في إنجاز عكس الاستقرار الفني والتطور الذي شهده الفريق.
وفي النهائيات، قدم منتخب مصر عروضا قوية، فتعادل مع بلجيكا في افتتاح مشواره، ثم حقق أول انتصار في تاريخ مصر بكأس العالم عندما تغلب على نيوزيلندا بنتيجة 3-1، قبل أن يحسم التأهل من دور المجموعات، وهو إنجاز تاريخي طال انتظاره.
ولم يتوقف الإنجاز عند هذا الحد، إذ واصل المنتخب رحلته التاريخية في الأدوار الإقصائية، وتمكن من عبور أستراليا بركلات الترجيح بعد مباراة مثيرة انتهت بالتعادل 1-1، ليحقق أول فوز لمصر في الأدوار الإقصائية لكأس العالم ويبلغ دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخه.
ولعب حسام حسن دورا بارزا في هذا النجاح، إذ نجح في بناء فريق يتميز بالتوازن بين الخبرة والشباب، مع الاعتماد على الانضباط التكتيكي والروح الجماعية، دون الاعتماد على لاعب واحد فقط، رغم القيمة الكبيرة للنجم محمد صلاح. كما أصبح أول مصري يشارك في كأس العالم لاعبًا ثم يقود المنتخب مديرًا فنيًا في البطولة، مضيفًا إنجازًا جديدًا إلى مسيرته الحافلة.
ويبقى الإنجاز الأكبر لـ حسام حسن أنه أعاد إلى منتخب مصر شخصيته المقاتلة، وغرس في لاعبيه الإيمان بأن المستحيل يمكن تحقيقه بالإصرار والعمل الجماعي. وبين طموحات الجماهير وتحديات الأدوار المقبلة، يواصل المنتخب المصري كتابة فصل جديد من تاريخه
ورغم أن مشوار المنتخب لا يزال مستمرًا، فإن ما تحقق في مونديال 2026 يعد محطة تاريخية في سجل الكرة المصرية، فقد أثبت حسام حسن أن الفراعنة قادرون على منافسة كبار العالم، وأعاد الثقة للجماهير في قدرة المنتخب المصري على كتابة تاريخ جديد.
لذلك كتب حسام حسن اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الكرة المصرية، ليس فقط بفضل أهدافه وإنجازاته، بل أيضًا بشخصيته التي جمعت بين الشغف والطموح والجدل، وتستمر حكايته، لأن الشخصيات الكبيرة لا تقاس فقط بعدد البطولات، بل بقدرتها على إثارة النقاش وصناعة التأثير.
وهكذا، يظل حسام حسن عنوانا لمسيرة استثنائية، وحكاية كروية لم تصل إلى فصلها الأخير بعد، عنوانها الدائم: الشغف الذي لا ينطفئ، والجدل الذي لا ينتهي.
حكاية حسام حسن ليست مجرد حكاية لاعب كرة قدم سجل أهدافا وحصد بطولات، بل هي قصة ملهمة عن الإرادة والتحدي، وعن شخص رفض أن يمر في الحياة مرورا عادرا.. ستبقى قصته تروى لكل جيل صاعد كدرس في معنى الشغف الذي لا يطفئه الزمن.