في أحد الأيام سعدت بحضور ندوة قيمة حول الموروثات الشعبية وعلاقتها بالهوية، وحاضر بها الأستاذ الدكتور مصطفى جاد، العميد السابق لمعهد الفنون الشعبية، وهو من أهم خبراء وحراس التراث الشعبي والثقافي غير المادي في العالم العربي.
وأثناء الندوة والمعلومات الثرية التي عُرضت بها، وجدت أن الصوت البشري له قيمة كبيرة جدا في التراث، ليس فقط كوسيلة تواصل يومية بين البشر وبعضهم البعض، ولكن كأداة مهمة لحفظ وتوثيق التراث الشعبي والموروثات الشعبية، لذا لابد أن تعلم صديقي القارئ أنه لولا الصوت البشري، ما كان يوجد تراث شعبي أو موروثات شعبية.
منذ قديم الأزل، كان يستخدم البشر أصواتهم للتعبير عن حالهم وحالتهم من فرح وحزن وغضب ومدح، وغيرها من المشاعر السلبية أو الإيجابية. فكانت أصوات "الزغاريد" تعبر عن الفرح والسعادة، وكانت تجامل السيدات بعضهن البعض بإطلاق أصوات الزغاريد المرتفعة والمنغمة، حيث كان لها نغمات وطبقات صوتية مختلفة من منطقة لأخرى. بينما في حالة العزاء والمآتم، تطلق السيدات أصوات "الصويت" و"النحيب"، للتعبير عن حزنهم لفقد عزيز لديهن. وأيضا كانت تجامل السيدات بعضهن البعض بارتفاع صوت "الصويت" وقول كلمات معينة حسب صلة القرابة للمتوفى. وجدير بالذكر أن هذا الموروث موجود حتى الآن في بعض المناطق الشعبية.
وفي العمل، يستخدم العمال أصواتهم للتحفيز والتشجيع على العمل والإنتاج، وشحذ الهمم. خاصة العمل الذي يتطلب مجهود بدني، كان دائما مرتبط ببعض الأغنيات والأصوات التي يطلقها العمال بشكل جماعي وبطريقة حماسية لتزيد من إنتاجيتهم وقدرتهم على العمل، وتسمى "أهازيج"، وتلك الأغنيات هي عبارة عن موروثات شعبية وتراثية، موروثة عن أجدادهم، وتظل تتوارثها الأجيال المتلاحقة، حتى أصبحت مرتبطة بكل مهنة، حتى عصرنا هذا، إن وجدت تلك المهنة. على سبيل المثال، أعمال البحر والصيد، يتغنى الرجال بالأغاني الموروثة، مثل: شد الشباك، هيلا هيلا، صلي ع النبي، وغيرها من الأهازيج. وأيضا، أعمال الزراعة والري والحصاد، فقد كان لكل مرحلة زراعية أغنية معينة ومواويل مختلفة تعبر عن تلك المرحلة. إضافة إلى أعمال البناء، يتغنى العمال بالأهازيج المختلفة كي تساعدهم في تخفيف الأحمال وتنظيم حركتهم، وأيضا لكل مرحلة بناء أهازيج معينة ومخصصة لها.
أما عن الباعة الجائلين، فقد كان لكل بائع نغمة صوتية معينة تعبر عما يبيعه، بحيث يتعرف عليه المشترون، ويقبلون عليه، مثل بائع الروبابيكيا، فقد كان يقول "بييكيا" مع التشديد على كل صوت. وهذا الأمر مازال موجود حتى عصرنا هذا، ولكن بشكل أكثر تطورا، من خلال استخدام الميكروفونات المكبرة للصوت والأغنيات الصاخبة التي تسبب ضوضاء شديدة على مسافات بعيدة، بحيث تحول الموروث التراثي إلى شيء مزعج جدا، ويشكو منه بعض البشر ويطالبون بتوقفه.
ومن أجمل الموروثات الشعبية المرتبطة بشهر رمضان المعظم، هو "المسحراتي"، الذي يجوب الشوارع ليلا، وقت السحور، كي يوقظ الناس لتناول وجبة السحور. وهو من الموروثات الشعبية الجميلة المرتبطة بالشهر الكريم، ويفتقدها كثير من الناس في بعض المناطق الأكثر تحضرا، ولكنه دائما يميز المناطق الشعبية.
ومن أهم الموروثات الشعبية والتراثية، من وجهة نظري، هو "الحكواتي"، وهو فن من فنون الخطابة، ويعتمد على شخص رزقه الله قدر من الجمال الصوتي والقدرات الصوتية المتميزة، التي تمكنه من حكي الأحداث وسرد المواقف بطريقة شيقة وممتعة ومتمكنة، عن طريق تلوين نغمات صوته (وقفات وهمس وصراخ وضحكات وحزن وعلو وانخفاض وغيرها) بشكل مختلف بما يعبر عن الأحداث بطريقة واقعية جدا، بحيث يتكون لدى المستمعين صورة بصرية كاملة من خلال صوت الحكواتي وأداؤه الشيق.
"الحكواتي" من أهم الموروثات التراثية لأنه بمثابة "الذاكرة الشفهية" للأحداث على مر العصور، فمن خلاله، وصلت إلينا الأمثال الشعبية والألغاز والأشعار والقصص والسير الشعبية، بحيث تتوارثها الأجيال من الجدود إلى الأحفاد، ويتعلمون منها العبرة والحكمة والموعظة، حتى ظهرت الكتابة والتوثيق، التي كانت تعتمد على حفظ تلك الموروثات الشفهية من أصوات الخطباء، وتحولها إلى نصوص مكتوبة ومحفوظة تتناقلها الأجيال.
صديقي القارئ، الصوت البشري في الموروث الشعبي والتراث، ليس مجرد هواء يخرج من الحنجرة، كوسيلة تواصل للحديث اليومي بين هؤلاء البشر حينها، بل هو بصمة ثقافية وتراثية، حفظت للشعوب تاريخهم وعادتهم، وعَبّر عن أفراحهم وأحزانهم، وشرح ووضح أساليب معيشتهم البسيطة والشاقة حينها، وقبل اختراع الكتابة. فالموروثات الشعبية جزء كامن فينا لا يمكننا التخلي عنه كبشر مفطور على ذلك؛ ولكن هناك من يطور تلك الموروثات ويستخدمها ليفيد البشرية، وهناك من يطورها ليستخدمها في إزعاج البشرية!