محمد عطية

الإنسان يقاس بما يتركه من أثر.. وليس بما يملك

الجمعة، 31 يوليو 2026 06:21 م


في دوامة الحياة، أصبح كثيرون يقيسون النجاح بما يملكونه من أموال، أو بما يحققونه من مناصب، أو بعدد الإنجازات التي تكتب في سيرهم الذاتية، لكنهم ينسون أن هناك مقياسا آخر لا تمنحه البنوك، ولا تصنعه المناصب، ولا تفرضه الشهرة، إنه الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.

قد ترحل الثروة، وتتبدل المواقع، وتطوى صفحات الأسماء، لكن يبقى في ذاكرة الناس شخص وقف معهم حين تخلى الجميع، أو كلمة أعادت الأمل إلى قلب أوشك على الانكسار، أو يد امتدت لتنتشل إنسانًا من عثرته دون انتظار مقابل، تلك هي الثروة الحقيقية التي لا تنخفض قيمتها مع الزمن، بل تزداد كلما امتد أثرها في النفوس.

الخير ليس تصرفًا عابراً، ولا مجاملة اجتماعية، ولا محاولة لكسب إعجاب الآخرين الخير ثقافة، وأسلوب حياة، ورسالة يحملها أصحاب القلوب النقية وكل معروف يصنعه الإنسان اليوم، يعود إليه يومًا، ولكن ليس بالضرورة من الباب الذي خرج منه، فقد يجازيك الله بمن يساندك في لحظة ضعف، أو يفتح لك بابًا ظننته مغلقًا، أو يرزقك طمأنينة لا تشترى بمال.

كم من إنسان لم يكن يحتاج إلا إلى كلمة تشجيع، أو نصيحة صادقة، أو من يربت على كتفه ويخبره أن الغد سيكون أفضل، وكم من عامل أو موظف جديد غيرت حياته يد أخذت بيده بدلًا من أن تتركه يتخبط وحده، وكم من شخص أنهكته الظروف، فأعاد إليه موقف إنساني بسيط إيمانه بنفسه وبالحياة.

لسنا مطالبين بأن نكون أثرياء حتى نصنع الخير، فربما كانت الابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة نجاة، والدعاء الصادق سندًا، والإنصات لمهموم عبادة، ومساندة زميل في عمله بابًا من أبواب الرزق يفتحه الله لك قبل أن يفتحه له، فالخير لا يقاس بحجم ما نعطي، بل بصدق ما نعطي.

المؤسف أن بعض الناس أصبحوا يحسبون كل شيء بلغة المكسب والخسارة؛ فإن لم يكن هناك مقابل مباشر، تراجعوا عن المساعدة، وكأن الإنسانية أصبحت صفقة تجارية، بينما الحقيقة أن أجمل العطاء هو ذلك الذي لا ينتظر ثمنًا، لأن صاحبه يدرك أن الجزاء الحقيقي لا يأتي من البشر، وإنما من الله الذي وعد فقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.

الدنيا تدور، والأيام تتبدل، وكل إنسان سيأتي عليه وقت يحتاج فيه إلى من يقف بجواره، حينها لن تنفعه قوته وحدها، ولا نفوذه، ولا أمواله، بل سيبحث عن قلب رحيم، ويد ممدودة، وكلمة صادقة، ولذلك، فإن كل خير تزرعه اليوم، إنما تدخره لنفسك قبل أن تقدمه لغيرك.

لا تؤجل معروفًا تستطيع فعله، ولا تستصغر أثر كلمة طيبة، ولا تبخل بعلم أو وقت أو دعم لمن يحتاجه، فربما كانت دقائق تمنحها لإنسان سببًا في تغيير حياته، وربما كانت دعوة صادقة من قلبه هي مفتاح فرجك في يوم لا تجد فيه إلا رحمة الله.

وفي نهاية المطاف، لن يتذكر الناس حجم حساباتك البنكية، ولا نوع سيارتك، ولا عدد المناصب التي تقلدتها، سيذكرون فقط أنك كنت إنسانًا رحيمًا، حاضرًا وقت الشدة، كريمًا في عطائك، صادقًا في مشاعرك، وأنك تركت وراءك أثرًا جميلًا يشبهك.

فالإنسان لا يخلد بما يملك، وإنما بما يزرعه في قلوب الآخرين، والخير، مهما بدا صغيرًا، هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر أبدًا، لأن أرباحه لا تقاس بالأرقام، بل بالدعوات، والمحبة، والبركة، ورضا الله... وذلك هو الربح الذي لا يزول.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة