عودة للحديث عن آفة المجتمع التي تتطور وتتغلغل وتتخذ أشكالاً ومسميات جديدة يومًا بعد الآخر لتتماشى مع تطورات ومستجدات العصر الحديث وأهواء وموضات جيل الشباب التي لا تتوقف، لتناسب جميع الأذواق وتشبع جميع الرغبات.
المخدرات
فلم تكن المرة الأولى التي أكتب فيها عن المخدرات ولن تكون الأخيرة، فقد توقفت مرات أمام هذا الشبح المخيف الذي بات يهدد معظم الأسر المصرية، تحديداً تلك التي بها مراهقون أو شباب من الجنسين، وسأضع عدة خطوط تحت كلمة الجنسين لأؤكد أن تعاطي المخدرات لا يقتصر فقط على الذكور، فقد شمل قطاعاً كبيراً من البنات والسيدات بمختلف الأعمار وتحديداً بالسن الحرج الذي يشمل المراهقة والشباب.
تلك الأداة الأقوى والأسهل لتدمير الأجيال الجديدة، ما يعني ضرب المجتمع بمقتل وشل قدرته على الانطلاق للأمام معولاً على ركيزته الأساسية التي من المفترض أن تقود قاطرته نحو المستقبل. ونحن نتحدث عن هذا الكابوس الذي يهدد شبابنا وبلادنا ويعيق انطلاقها، لا بد وأن نتوقف أمام هذه الجهة الرسمية (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان) التي اتخذت موقفاً واضحاً مؤثراً وأعلنت حرباً متعددة الجبهات، لإنقاذ شباب مصر من السقوط المدوي بهذا الفخ العميق الذي نصبته جهات بعينها نعرفها تمام المعرفة، في حرب خفية غير شريفة لتكسير عظام الدولة المصرية التي تنطلق بقوة للأمام رغم هذه المعوقات المفتعلة التي لا أول لها من آخر والتي تحيطها من كل اتجاه.
فقد تحدثت مرات كثيرة أمام كل إنجاز حققه الصندوق بهذا الشأن الخطير، وتتويجاً لتلك النجاحات وفي إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات التي أُطلقت تحت رعاية فخامة السيد رئيس الجمهورية، فقد شهدت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي ورئيس مجلس إدارة صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، واللواء محمد الزملوط، محافظ مطروح، والدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، فعاليات حفل تخريج 100 متعافٍ من الإدمان بمركز العزيمة لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان التابع للصندوق بمدينة مطروح، غالبيتهم من أبناء منطقة بشاير الخير، بعد تلقيهم كافة الخدمات العلاجية بالمركز مجاناً ووفقاً للمعايير الدولية، بحضور الكاتب الصحفي مدحت وهبة مدير تحرير اليوم السابع المستشار الإعلامي والمتحدث الرسمي لصندوق مكافحة الإدمان وأعضاء الهيئة البرلمانية بالمحافظة ورئيس مجلس العمد.
كما أجرت الوزيرة، ومحافظ مطروح، ومدير الصندوق جولة تفقدية داخل مزرعة شجر الزيتون، بعد نجاح المتعافين في تحويل مساحة الأرض الملحقة بمركز العزيمة بمطروح إلى مزرعة، وزراعة شجر الزيتون وحصاد المحصول الذي يُعد أحد أهم المحاصيل الرئيسية بالمحافظة، ثم عصره على البارد للحصول على أفضل أنواع الزيت. والتقوا بمجموعة من المتعافين، واستمعوا لتجاربهم وآرائهم حول الخدمات المقدمة، حيث أعرب المتعافون عن سعادتهم بالرعاية المتكاملة التي يحصلون عليها داخل مراكز العزيمة التابعة للصندوق، من حيث توفير كافة الخدمات العلاجية وبرامج التأهيل بأعلى معايير الجودة مجاناً، فضلاً عن توفير برامج التدريب على حرف مهنية يحتاجها سوق العمل داخل ورش التدريب ضمن برنامج "العلاج بالعمل".
الدكتورة مايا مرسي للمتعافين: "أنتم أبطال.. والتعافي بداية لمستقبل جديد"
وقالت الوزيرة إن هذا الصرح العلاجي، الذي افتتحه فخامة السيد رئيس الجمهورية في فبراير عام 2021، بعد أن بدأ تشغيله تجريبياً عام 2019، استطاع أن يقدم خدمات العلاج للمرضى مجاناً، وأن مركز العزيمة بمطروح يمثل حلقة ضمن سلسلة مراكز العزيمة التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، والتي يبلغ عددها 11 مركزاً، ليصل إجمالي عدد المراكز التابعة والشريكة مع الخط الساخن إلى 35 مركزاً في 20 محافظة حتى الآن، أُنشئت بهدف سد الفجوة العلاجية في المحافظات التي كانت تفتقر إلى خدمات علاج وتأهيل مرضى الإدمان. وقد أسهمت هذه المراكز في مضاعفة عدد أسرّة علاج الإدمان الحكومية، ونجح الصندوق في تقديم نموذج علاجي متكامل ومستدام، يواكب المعايير الدولية المعتمدة من الأمم المتحدة، ويضع جودة حياة المستفيد في صدارة أولوياته، من خلال الاهتمام بصحته الجسدية والنفسية، ودعمه اجتماعياً، وتأهيله مهنياً، وتمكينه اقتصادياً، مع تطبيق آليات واضحة للمتابعة وقياس الأثر.
وتزداد أهمية هذا الدور إذا نظرنا إلى المشهد العالمي، إذ تشير تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن نحو 92% من مرضى الإدمان حول العالم لا يحصلون على العلاج، في ظل الارتفاع المستمر في أعداد المتعاطين، والتي زادت بنسبة 34% خلال العقد الأخير على المستوى العالمي، فضلاً عن ارتفاع تكلفة العلاج في كثير من دول العالم. وفي المقابل، تحرص الدولة المصرية على إتاحة خدمات العلاج والتأهيل لأي مريض مجاناً، من خلال المراكز التابعة والشريكة مع الصندوق.
وأوضح الدكتور عمرو عثمان أن مركز العزيمة بمطروح كان أصلاً غير مستغل، وتم تأهيله ليكون مركزاً لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان، ويعمل بالمركز 85 موظفاً من الطاقم الطبي والإداري، غالبيتهم من أبناء المحافظة. كما يضم المركز مساحات خضراء وقاعات تأهيل وفصول محو أمية، حيث تم إعداده وفقاً للمعايير الدولية في مجال علاج وتأهيل مرضى الإدمان. كما يتضمن صالة ألعاب رياضية "تنس طاولة وبلياردو وصالات جيم للرجال" وقاعة موسيقى ومسرح ومكتبة ومطعم وورش تدريب مهني لتعليم المتعافين حرفاً مهنية يحتاجها سوق العمل ضمن برنامج "العلاج بالعمل". ويقدم المركز الخدمات العلاجية لمرضى الإدمان ما بين عيادات خارجية وحجز داخلي لأبناء محافظة مطروح والمحافظات المجاورة، كما استفاد الكثير من المترددين على المركز لتلقي العلاج من خدمات فصول محو الأمية "الكتابة والقراءة".
وأضاف عثمان أن البرنامج التأهيلي بمراكز العزيمة التابعة لصندوق مكافحة الإدمان يعتمد على "الدمج بين مجموعة برامج تأهيلية" تتمثل في التأهيل النفسي والعلاج المعرفي السلوكي وبرنامج مهارات منع الانتكاسة، كذلك التأهيل المهني "العلاج بالعمل" والتأهيل البدني بجانب الأنشطة الترفيهية بشكل يومي، كذلك توفير فصول محو الأمية للمتعافين وقاعات كمبيوتر للحاصلين على مؤهلات تعليمية مختلفة، كذلك الدمج المجتمعي من خلال توفير قروض لتمويل مشروعات المتعافين ضمن مبادرة التمكين الاقتصادي، وذلك في إطار الحرص على تقديم خدمات ما بعد العلاج المجاني والدمج المجتمعي للمتعافين، لافتاً إلى أن مركز العزيمة بمحافظة مطروح قدم الخدمة لما يقرب من 13 ألف متردد على مدار 6 سنوات من أبناء المحافظة والمحافظات المجاورة منذ بداية التشغيل التجريبي وحتى الآن، وذلك على مستوى العيادات الخارجية والحجز الداخلي.
كما أن جهود الصندوق في محافظة مطروح لم تقتصر على العلاج، وإنما امتدت إلى الوقاية والكشف المبكر؛ فقد تم، خلال الفترة من يوليو 2025 وحتى يوليو الجاري، تنفيذ أنشطة توعوية داخل 105 مدارس و21 مركز شباب، إلى جانب لقاءات استهدفت أكثر من 4000 طالب بجامعة مطروح، فضلًا عن المبادرات التوعوية في الميادين والشواطئ، التي استفاد منها ما يقرب من 8000 مواطن. كما تم، بالتنسيق مع الإدارة العامة للمرور، تنفيذ حملات للكشف عن تعاطي المواد المخدرة بين أكثر من 11 ألف سائق على مدار عام، في إطار جهود الدولة لحماية الأرواح وتعزيز السلامة على الطرق.
وما تزال نجاحات صندوق مكافحة وعلاج الإدمان مستمرة من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة خالٍ من المخدرات وتغييب العقول.