وجوه من الذهب.. لماذا غطى المصريون موتاهم بالمعدن الذى يشبه «لحم الآلهة»؟

الخميس، 30 يوليو 2026 11:00 م
وجوه من الذهب.. لماذا غطى المصريون موتاهم بالمعدن الذى يشبه «لحم الآلهة»؟ قناع توت عنخ آمون

أحمد إبراهيم الشريف

عندما وضع المصريون القدماء الذهب على وجوه بعض موتاهم، ارتبط الاختيار بفكرة أوسع من قيمة المعدن أو جماله، فالوجه الذهبى كان جزءًا من تصور متكامل للموت والبعث والتحول الذى ينتظر المتوفى فى العالم الآخر، حيث ارتبط الذهب بالشمس وبالآلهة وبالجسد الذى يملك القدرة على الاستمرار والتجدد، ولهذا ظهرت الأقنعة المذهبة فوق المومياوات، واستخدمت رقائق الذهب فوق الكرتوناج والجص، بينما وصلت هذه الفكرة فى المدافن الملكية إلى نماذج كاملة صنعت من الذهب، وفى مقدمتها قناع توت عنخ آمون الشهير.

وبحسب مواد منشورة على موقعى متحف المتروبوليتان والمتحف البريطاني، تكشف الأقنعة والتوابيت المصرية التى بقيت حتى اليوم عن علاقة مباشرة بين الذهب والعقيدة الجنائزية، ويشير المتروبوليتان إلى أن طبيعة الذهب الدائمة جعلته مرتبطًا بالآلهة وبالموتى الذين اكتسبوا صفة مقدسة، كما تكشف نصوص أحد التوابيت المصرية صراحة عن ارتباط الذهب و«الذهب الناعم» أو الإلكتروم بجسد الآلهة والشمس وإعادة ميلاد المتوفى.

 

لماذا أصبح الذهب "لحم الآلهة"؟

حمل الذهب فى المخيلة المصرية القديمة صفات جعلته مناسبًا للعالم الإلهي، فلونه قريب من ضوء الشمس، وبريقه يبقى ظاهرًا، كما يتميز بمقاومته للتغير مقارنة بمواد كثيرة أخرى، لذلك دخل فى تصوير الجسد الإلهى وفى الأدوات الجنائزية التى تساعد المتوفى على الانتقال إلى حياة جديدة.

ويقدم قناع مدير الضيعة «واح»، الذى يرجع إلى بداية الدولة الوسطى نحو 1981–1975 قبل الميلاد، مثالًا واضحًا على هذه الفكرة. يغطى الذهب وجه القناع، بينما يظهر الشعر باللون الأزرق، ويربط متحف المتروبوليتان هذا الجمع بين اللونين بالتصور المصرى الذى يجعل جلد الآلهة من الذهب وشعرها من اللازورد. أى أن المتوفى حين يظهر بوجه ذهبى يقترب بصريًا ورمزيًا من الهيئة التى نُسبت إلى الآلهة.

ولهذا تحمل عبارة «لحم الآلهة» معنى عقائديًا دقيقًا أكثر من كونها وصفًا شعريًا حديثًا. وتؤكد نصوص جنائزية مصرية العلاقة بين المعادن الثمينة والجسد الإلهي؛ فالذهب يرتبط باللحم أو الجسد، والفضة بالعظام، بينما ارتبط اللازورد بالشعر فى بعض التصورات الدينية.

 

وجه المتوفى يتحول إلى وجه إلهي

كان القناع يؤدى وظيفة مرتبطة بالتحول الذى تصوره المصريون للموتى بعد الوفاة، ومن أوضح الشواهد مومياء «خنوم حتب» من الدولة الوسطى، التى ما زالت محفوظة بلفائفها الأصلية، وعلى رأسها قناع جنائزى ذهبي.

ويشير المتروبوليتان إلى أن الوجه الذهبى واللحية المستقيمة والصل الموجود على الرأس تقدم المتوفى فى هيئة ملك إلهي، بينما تساعد زخارف التابوت وخصائص المومياء فى تحويله رمزيًا إلى صورة لأوزير، سيد العالم الآخر وإله البعث.

بهذا المعنى، كان الذهب يشارك فى إعادة صياغة هوية صاحب المقبرة داخل العالم الآخر. فالإنسان الذى انتهت حياته الأرضية يستعد، وفق التصور الجنائزي، لمرحلة جديدة يصبح فيها مرتبطًا بأوزير وبقوى التجدد، ويصبح القناع جزءًا من الأدوات التى تمنح الجسد الهيئة المطلوبة لهذه الرحلة.

 

الشمس تدخل المقبرة

ارتبط الذهب كذلك بالدورة الشمسية؛ فالشمس تختفى فى المساء ثم تعود إلى الظهور كل صباح، وهى دورة قدمت للمصرى القديم نموذجًا قويًا للموت ثم التجدد. وتظهر هذه العلاقة داخل عدد من الأقنعة الجنائزية نفسها، حيث جمع المصريون بين الذهب ورموز الشمس والخنفساء المقدسة «الجعران».

ويحتفظ المتحف البريطاني، على سبيل المثال، بقناع مومياء تغطى رقائق الذهب أجزاء واسعة من وجهه وشعره وقلادته، ويظهر فوق الرأس تصوير لإله الشمس فى هيئة جعران مجنح، بينما تضم الزخارف الخلفية أوزير وآلهة جنائزية أخرى وروح المتوفى وإله الشمس فى هيئة صقر.

واستمر رمز الجعران المرتبط بالشمس والتجدد قرونًا طويلة؛ ففى أحد أقنعة العصر الرومانى المحفوظة فى المتروبوليتان تظهر إكليل مذهّب يحيط بجعران يمثل الشمس عند ظهورها فى الفجر، بوصفه تعبيرًا عن إعادة الميلاد.

 

من قناع توت عنخ آمون إلى أقنعة كبار الموظفين

يقدم قناع توت عنخ آمون الصورة الأشهر عالميًا لهذه العقيدة. فالقناع الذهبى الذى كان يغطى رأس الملك وصدره جمع بين الذهب والمواد الزرقاء، ومنها اللازورد والزجاج، وهى تركيبة ربطها المتروبوليتان بفكرة قديمة عن الملك المتوفى واتحاده بإله الشمس رع، الذى نُسب إليه جسد ذهبى وشعر من اللازورد.

لكن الظاهرة أوسع من توت عنخ آمون والملوك. فقد عُثر على أقنعة مذهبة تخص أفرادًا من طبقات اجتماعية ميسورة وكبار الموظفين وأسرهم. ومن أشهر الأمثلة قناع «حات نفر»، والدة سننموت، أحد كبار رجال عصر حتشبسوت؛ إذ حصلت على دفن ثرى شمل قناعًا مذهّبًا وجعران قلب وحليًا، بعد أن أصبح ابنها مسؤولًا بارزًا قادرًا على توفير تجهيز جنائزى مرتفع التكلفة.

ويقدم قناع «سات جحوتي» من بداية الأسرة الثامنة عشرة نموذجًا آخر، حيث تغطى رقائق الذهب الوجه والقلادة الكبيرة وغطاء الرأس، بينما يظهر الشعر بلون يحاكى اللازورد، وتدخل أجنحة الحماية المرتبطة بإيزيس وغيرها من الآلهة فى التكوين الجنائزي.

 

هل كانت وجوه جميع الموتى من الذهب؟

تكشف المقابر المصرية عن تفاوت كبير فى المواد المستخدمة تبعًا للعصر والمكان والمكانة الاجتماعية والقدرة الاقتصادية. انتشرت أقنعة الكرتوناج منذ بداية الدولة الوسطى، وصُنعت من طبقات ومواد يمكن تشكيلها ثم طلاؤها وزخرفتها، واستخدم الذهب فى بعضها على هيئة رقائق تغطى الوجه أو أجزاء منه، بينما امتلكت المدافن الملكية والنخبوية إمكانات أوسع لاستخدام المعدن الثمين.

وتكشف المقارنة داخل أسرة واحدة حجم هذا التفاوت؛ فقد كان دفن حات نفر غنيًا ومصحوبًا بقناع مذهّب وحلى ثمينة، فى حين كان تجهيز زوجها راموس أبسط بكثير، وهو ما ربطه علماء الآثار بتغير وضع الأسرة الاقتصادى بين موعدى الوفاتين.

وهكذا تحول الذهب داخل المقبرة المصرية إلى مادة تجمع عدة معانٍ فى وقت واحد: لون الشمس، وجسد الآلهة، والاستمرار، والتحول إلى أوزير، والأمل فى بعث المتوفى من جديد. لذلك تبدو الوجوه الذهبية التى خرجت من المقابر المصرية اليوم أعمالًا فنية استثنائية، بينما كانت وظيفتها الأصلية جزءًا من مشروع أكبر أعده المصرى القديم لمواجهة الموت والاستعداد لحياة أخرى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة