أكد الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان،في تصريح لـ"اليوم السابع" أن جريمة الاتجار بالبشر لم تعد تقتصر على الأنماط التقليدية المعروفة، بل أصبحت أكثر تعقيدًا مع التطور التكنولوجي، واتساع استخدام المنصات الرقمية، وظهور صور جديدة من الاستغلال تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما يفرض تطويرًا مستمرًا لمنظومة الحماية الوطنية، وآليات الرصد، والتشريعات، بما يضمن مواكبة طبيعة هذه الجريمة المتغيرة.
عدم التعرف المبكر على ضحايا الاتجار بالبشر يحولهم إلى متهمين
وقال ممدوح إن أحد أخطر التحديات التي تواجه منظومة مكافحة الاتجار بالبشر يتمثل في عدم التعرف المبكر على الضحايا، الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى التعامل معهم باعتبارهم متهمين أو مخالفين للقانون، بينما هم في الحقيقة ضحايا لجريمة منظمة استغلت ظروفهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو أوضاعهم الإنسانية.
وأضاف أن الضحية لا يجب أن تتعرض للعقاب مرتين؛ الأولى على يد شبكات الاتجار بالبشر، والثانية داخل منظومة العدالة نتيجة سوء التوصيف القانوني أو التأخر في اكتشاف حقيقة وضعها، مؤكدًا أن حماية الضحايا تبدأ بالاعتراف بهم كضحايا، وليس باعتبارهم أطرافًا في الجريمة.
وأوضح أن تحقيق ذلك يتطلب تطبيق آليات وطنية واضحة للتعرف المبكر على الضحية، من خلال تدريب أعضاء جهات إنفاذ القانون، والنيابة العامة، والعاملين بالمنافذ الحدودية، ومقدمي الخدمات الصحية والاجتماعية، على مؤشرات اكتشاف ضحايا الاتجار بالبشر، مع وضع بروتوكولات موحدة للإحالة السريعة إلى جهات الحماية والدعم، بما يضمن وقف أي إجراءات قد تؤدي إلى إعادة إيذائهم أو وصمهم قانونيًا أو اجتماعيًا.
مكافحة الاتجار بالبشر تتطلب مواجهة الاستغلال الرقمي وتعزيز حقوق الضحايا
وأشار إلى أن التحديات الحالية لم تعد مرتبطة فقط بالاستغلال الجنسي أو العمل القسري في صورته التقليدية، وإنما ظهرت أنماط جديدة ترتبط بالفضاء الرقمي، مثل الاستغلال الإلكتروني، والابتزاز، والاتجار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستقطاب الضحايا من خلال المنصات الرقمية، وهو ما يتطلب تطوير أدوات إنفاذ القانون، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية وشركات التكنولوجيا، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بخطورة هذه الجرائم.
وأكد ممدوح أن الدولة المصرية قطعت خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في بناء الإطار التشريعي والمؤسسي لمكافحة الاتجار بالبشر، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز بصورة أكبر على حقوق الضحايا، وإعادة دمجهم في المجتمع، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي لهم، باعتبار أن إعادة التأهيل تمثل جزءًا أصيلًا من العدالة، وليست مجرد خدمة اجتماعية.
وفيما يتعلق بدور المجلس القومي لحقوق الإنسان، أوضح ممدوح أن المجلس يباشر مسؤولياته في هذا الملف من خلال عدة مسارات متكاملة، تشمل رصد أوضاع حقوق الإنسان المرتبطة بجرائم الاتجار بالبشر، واستقبال الشكاوى والتعامل معها، وإحالة الحالات إلى الجهات المختصة، إلى جانب إعداد التقارير والتوصيات بشأن السياسات العامة، والمشاركة في مراجعة التشريعات ذات الصلة، وتنفيذ برامج للتوعية وبناء القدرات، والتعاون مع الجهات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني لتعزيز منظومة الوقاية والحماية.
كرامة الضحايا ودمجهم مجتمعيًا معيار النجاح لمكافحة الاتجار بالبشر
وأضاف أن المجلس ينظر إلى ضحايا الاتجار بالبشر باعتبارهم أصحاب حقوق، وليسوا مجرد حالات إنسانية تحتاج إلى المساعدة، ولذلك فإن فلسفة عمل المجلس ترتكز على ضمان حق الضحية في الحماية القانونية، والرعاية الصحية، والدعم النفسي، وإعادة التأهيل، والاندماج المجتمعي، مع احترام الخصوصية والحفاظ على الكرامة الإنسانية في جميع مراحل التعامل مع الضحية.
وشدد على أن المجتمع المدني يمثل شريكًا أساسيًا في مكافحة هذه الجريمة، ليس فقط من خلال تقديم الدعم للضحايا، ولكن أيضًا عبر نشر الوعي، واكتشاف الحالات، وبناء الثقة مع الفئات الأكثر عرضة للاستغلال، وتعزيز ثقافة الإبلاغ، مؤكدًا أن نجاح أي استراتيجية وطنية في هذا الملف يعتمد على تكامل أدوار مؤسسات الدولة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص ووسائل الإعلام.
واختتم ممدوح تصريحه بالتأكيد على أن اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر يجب أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام بحماية الإنسان قبل أي شيء آخر، قائلاً ان الانتصار الحقيقي في مواجهة الاتجار بالبشر لا يُقاس بعدد القضايا المضبوطة أو الأحكام الصادرة فقط، وإنما يُقاس بقدرة الدولة والمجتمع على إنقاذ الضحايا، واستعادة كرامتهم، وإعادة دمجهم في المجتمع، ومنع وقوع ضحايا جدد. فالكرامة الإنسانية ليست شعارًا، بل هي أساس كل سياسة ناجحة في مجال حقوق الإنسان.