كانت كفاءته في إتقان عمله هي السبيل لترشيحه لحراسة الشخصيات المهمة، كما كانت أيضًا السبب الأول لإصراره على التعلُّم والتزود بالمعارف المتنوعة، وهو من آمن بمقولة: "إن ما لم يُدرك كله لا يُترك كله"، لذا عندما حالت الظروف الاجتماعية دون تفوقه في مهد دراسته، فإنه ما زال يتعلم ويقرأ ويسأل. وصادفته الحياة بأن كان حارسًا للشاهد على فساد فكر الجماعة الإرهابية ثروت الخرباوي، واستغل فرصته في التزود بالمعارف عن تلك الجماعة الإرهابية، وظل يسأل ويكرر الاستفسار، ولِمَ لا؟! ومعه "الكنز"، الشاهد الأساسي على خراب الفكر المتأسلم، فأخذ عنه كتاب "سر المعبد" الذي استبصر منه حقيقة هؤلاء الذين أسماهم "كهنة المعبد"، وعلم عن أسرارهم الخفية الكثير من شاهدٍ كان بينهم، وتلاه كتاب "قلب الإخوان" الذي لفت انتباهه انقسام القلب على غلاف الكتاب لكلا الشخصيتين المؤثرتين في الفكر المتطرف، وهما حسن البنا وسيد قطب، وتعرَّف ذهنه عن قرب إلى محاكم تفتيش الجماعة، وكل يوم كان يعرف أكثر فأكثر، حتى وُلدت الفكرة من رحم المعرفة، وتحصَّن وعيه، ولم تختلِ عيناه بشواهد كاذبة لادعاءات الرشاد والبناء، بينما جوهر الفعل هو الفساد، وحقيقته هي الهدم. وكان لكتاب رفيقه الأخير "أئمة الشر" جرس الإنذار الذي بات يدق ليلًا ونهارًا ليكون للرجل موقف حقيقي ما دام قد علم، ولأنه عرف، فلا بد أن يلازم الفكرَ سلوكٌ يصادقه ويؤمن على كنهه، فسار الرجل إلى سيناء مقتنعًا، واعيًا، ثابت الخطى، ثم عاد مع صديقه العلم يحتضن كلٌّ منهما الآخر.
تبدأ البطلة، أم الشهيد أحمد أبو بكر أحمد، الحكاية من حي شبرا:
"أحمد ابني أكبر إخوته، واتولد في شهر نوفمبر 1980، ورغم أن بداياتنا كانت في حي مدينة السلام، إلا أنه عندما انتقلت الأسرة مع والده إلى حي شبرا بعد سبع سنوات من ميلاده، كان شبراويًّا بكل صفات هذا الحي الأصيل، من الجدعنة والشهامة والتسامح وقبول الآخر. واتربى أحمد وإخوته على حب الناس من غير ما يفرق بينهم على أساس الدين أو التعليم أو الغنى أو الفقر، وفضل أحمد ما يعرفش غير إن أصحابه مصريين وبس، وده كان كفاية عنده إنه يحبهم ويصاحبهم ويدافع عنهم. وكتير من جيرانا، اللي هما في سن أحمد، كانوا يقولوا: يا ماما، «أحمد هو اللي بيحل أي خلاف أو مشكلة تحصل بينا»، وعرفت من ساعتها إن ابني كبير من يومه. ومن كلامه معايا عن الإسلام والمسيحية عرفت إنه مؤمن إنهما من عند الله، وإن المؤمن الحقيقي هو اللي يتعامل مع الناس بالحسنى، مش بالشدة. كانت دي معظم أحاديثه معايا أنا وإخوته، وكنت مبسوطة بفكره ووعيه، وما كنتش خايفة عليه أبدًا، لسبب واحد، إنه بيحب الناس، والناس بتحبه. كل أصحابه، وكل جيرانه، وكل العيلة بتحبه، وليه عندهم مكانة كبيرة. ولظروف معينة أحمد دخل الثانوي التجاري سنة 1997، وكان عند أحمد حاجتين مهمين جدًا: الأولى إنه بيحب يقرأ ويتعلم، والتانية إنه كتير كان بيتكلم عن حلمه إنه يكون ظابط. ولما كنت أسأله: ليه يا أحمد؟ كان يرد بسرعة: «وهي دي عايزة كلام يا ست الكل؟! أمال مش اللي يحب الناس يدافع عنهم؟». وفعلاً، مع إصراره على تحقيق حلمه، قدَّم في معهد أمناء الشرطة، وبذل طاقته وجهده إنه ينجح في الاختبارات، ولما طلعت النتيجة كانت الدنيا مش سايعاه، وأنا فاكرة إنه قال ساعتها: «من النهارده أبدأ أحقق حلمي». واستغربت وسألته: «مش كده حلمك اتحقق يا أحمد؟»، رد وقال: «لا يا أمي، كده أول المشوار، أما آخره فهو الحلم الحقيقي». وما كنتش أعرف ساعتها إيه اللي مخبيه القدر لضنايا، لكن رضينا بقضاء الله وقدره.
"وبعدها أحمد ذاكر واجتهد في المعهد لحد ما اتخرج الأول على دفعته، وكانت الدنيا مش سايعة فرحته، وإنه أثبت لنفسه أولًا إنه شاطر ومتفوق، وإن الظروف هي اللي منعته من الثانوية العامة. وبعد ما اتخرج من المعهد، قدَّم على دورات كتير لفتت نظري ساعتها إنها خطرة جدًا، زي دورة المفرقعات والشراك الخداعية، وقلت له ساعتها: بلاش يا ابني، دي خطر أوي. قال لي: «يا أمي، مش إنتِ بتدعي لي؟! خلاص أخاف من إيه؟!». وبعد كده حقق حلمه الثاني، وقدَّم في الثانوية العامة، ونجح بتفوق سنة 2002، وعلى طول قدَّم في جامعة عين شمس، كلية التجارة، وحصل على بكالوريوس التجارة سنة 2009. ولم يكتفِ بكلية التجارة، وقدَّم بعد نجاحه فيها على كلية الحقوق، وحصل على ليسانس الحقوق سنة 2013 من جامعة عين شمس، وفورًا بدأ يحقق حلمه الكبير، وهو إنه يلتحق بكلية الشرطة سنة 2014".
تتوقف الأم، وأنفاسها المتسارعة تلاحق أحلام وليدها الطموح، ومع نهاية كل مرحلة كان يجتازها بنجاح، كانت تظن أنه اكتفى، وأن هذا هو حلمه. وتهز الأم رأسها بحركة رضا، وترفع عينيها إلى سماء الله تناجيه متمتمة:
"كان بيحب ينجح، وبيحب يعرف كل حاجة، لحد ما عرف إن الدنيا أساسها هو الدفاع عن الناس، مش قتلهم."
ومن هنا بدأت حكاية تانية لأحمد:
"أحمد ابني كان متفوق في عمله، واختارته الداخلية يكون في حماية الشخصيات المهمة، ومنهم البابا شنودة، اللي كانت صوره معاه مالية البيت. واترشح بعد كده لحراسة الأمير ترك بن عبد العزيز، وبعدها كانت النقلة الكبيرة في حياته لما بدأ يقرأ كتب ثروت الخرباوي، اللي كان حارسًا شخصيًا له، ويحكي لي أنا وزوجته وأولاده الثلاثة عن فظائع الإخوان، وقد إيه إنهم خطر على مصر وعلى الإنسانية، وقد إيه هما أصحاب أباطيل وأكاذيب. وكان مهتم إن أولاده يعرفوا حقيقة الإخوان علشان ما يتأثروش بفكرهم، وعلشان يفضلوا زيه، ويورثهم حب الناس كلها على أساس المعاملة الحسنة، مش على أساس الدين أو المذهب.
وبعد شوية لقيته بيجهز شنطته للسفر، وإنه خلاص أخد قرار بالخدمة في سيناء. وحكت لي زوجته إنه قدَّم الطلب أكتر من مرة للداخلية علشان يوافقوا على نقله من الحراسات الخاصة إلى سيناء. وساعتها ما قدرتش أخليه يتنازل عن فكره اللي كان مؤمن بيه لدرجة اليقين، وقال لي: «يا أمي، أنا مش أقل من الرجالة اللي راحوا يخدموا بلدهم في سينا، مصر مش عايزاني هنا، مصر محتاجة إن ولادها كلهم يروحوا هناك في سيناء». ولما قلت له: «يا ابني، ما إنت هنا مرتاح ومبسوط»، قال: «يبقى كفاية راحة، وكفاية انبساط، وجه الدور عليَّ أسدد الدين».
وأنا مش عارفة إيه اللي في دماغه، ومش قادرة أخليه يفضل في القاهرة. وبعدين، في مرة وهو راجع من إجازته، حكى لي عن بطولات الرجالة من الشرطة والجيش واستشهادهم في سيناء، وقلت له: «وأنا إيدي على قلبي يا ابني، ربنا يحميك ويحفظك إنت واللي زيك». قال لي: «مش عايز غير الدعوة دي، ادعي لي يا أمي إن ربنا يثبتني، ويجعلني مُقبلًا، ويحفظني من إني أكون مُدبرًا، هو ده أكبر أحلامي يا أمي».
وساعتها شوفت في عينيه إنه اكتفى من تحقيق أحلامه والجري وراها، وإن سيناء هي فعلًا آخر أحلامه. خفت عليه لما شوفت في الزيارة دي إصرارًا أكبر من أي مرة تانية في عينيه، لدرجة إني حضنته لأول مرة بشدة أوي، لحد ما دمعت عينه، وكأننا كنا حاسين إنها آخر مرة.
وكان قضاء الله يوم الأحد 23 نوفمبر 2014، انفجرت مدرعته وهو على الطريق الساحلي في شمال سيناء، بعبوة كان الأشرار قد ربطوها على عمود إنارة لتنفجر ناحيته عندما يمر بجوارها.
تتنهد البطلة وتقول:
"اتولد في نوفمبر، وراح لحلمه في نوفمبر. كان مؤمن إن المعرفة والعلم هما أساس الوعي والإدراك بكل حاجة حوالينا."
وتطلق الأم نظراتها إلى سماء ربها، مع تنهيدات مليئة بالحزن وآهات الفراق لوليدها، قائلة بثبات:
"الحمد لله... ربنا يجمعه بحبيبه سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، زي ما سبحانه وتعالى وعدنا."