هناك دولٌ تبني حصونها من الحجر، ودولٌ تبنيها من المعرفة، لكن الدول العظيمة وحدها هي التي تدرك أن أخطر حصونها هي الذاكرة، فالحدود يمكن أن تحرسها الجيوش، والثروات يمكن أن تحميها القوانين، أما الوعي الوطني فلا يحرسه إلا إعلامٌ يمتلك روايته، ويحفظ تاريخه، ويصون ذاكرة شعبه من العبث والنسيان.
من هنا، لم يكن وصف فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لماسبيرو بأنه جزء من الأمن القومي المصري مجرد تعبير سياسي، بل كان تأسيسًا لمفهوم بالغ العمق، يعيد تعريف الإعلام باعتباره أحد أعمدة الدولة الحديثة. فالأمن القومي لم يعد يُقاس فقط بما تمتلكه الدول من سلاح أو اقتصاد، وإنما بما تملكه من قدرة على حماية هويتها، وصيانة روايتها الوطنية، وتحصين وعي أجيالها.
ولهذا جاءت التوجيهات الرئاسية الأخيرة بالإسراع في رقمنة تراث الإذاعة والتليفزيون المصري، لتؤكد أن الدولة لا تنظر إلى الأرشيف بوصفه مخزنًا للأشرطة القديمة، وإنما باعتباره ذاكرة وطن بأكمله. فبين تلك الملايين من الساعات المسجلة، تعيش تفاصيل مصر؛ انتصاراتها وانكساراتها، أفراحها وأحزانها، أصوات زعمائها ومفكريها، وإبداع فنانيها، وحكايات مجتمعها، وكل ما صنع الشخصية المصرية على امتداد عقود.
إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس ضياع الوثائق، وإنما ضياع الرواية. فحين تضيع الرواية، يكتبها الآخرون، وحين تُكتب من خارج أصحابها، يصبح التاريخ عرضة للتشويه، والهوية عرضة للاختطاف. لذلك فإن رقمنة تراث ماسبيرو يُعد مشروعًا سياديًا بامتياز لحماية الذاكرة الوطنية، وضمان بقائها حية وآمنة ومتاحة للأجيال القادمة.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، فإن الرقمنة تعد وسيلة لحفظ المواد من التلف، و استثمار في المستقبل. فالمحتوى الرقمي القابل للفهرسة والتحليل والبحث، يتحول إلى قاعدة معرفية هائلة، يستفيد منها الإعلام، والجامعات، والباحثون، وصناع الأفلام، والمؤسسات الثقافية، أحد أهم مصادر القوة الناعمة للدولة المصرية.
عزيزي القاريء؛ إن الأمم تقاس بقدرتها على صناعة المستقبل، ولذلك فإن المشروع الذي تتبناه الهيئة الوطنية للإعلام اليوم، يمثل تحولًا استراتيجيًا يتجاوز حدود التطوير الإداري إلى إعادة اكتشاف أحد أعظم الأصول التي تمتلكها الدولة المصرية.
ولعل اللافت أن هذا الحراك لم يأتِ في صورة شعارات، وإنما في صورة خطوات عملية متتابعة، تعكس إدارة تدرك أن إصلاح المؤسسات الكبرى يبدأ بحل المشكلات المتراكمة، ثم الانتقال إلى مشروعات البناء والتنمية. فمن يتابع أداء الهيئة الوطنية للإعلام خلال الفترة الماضية، يلحظ منهجًا يقوم على التعامل مع الملفات الشائكة بهدوء وعمل مؤسسي، بدءًا من معالجة أزمات طال انتظار حلولها، وفي مقدمتها ملف المعاشات الذي ظل يؤرق أبناء ماسبيرو سنوات طويلة، وصولًا إلى إطلاق مشروع رقمنة التراث باعتباره المشروع الثقافي والإعلامي الأهم منذ عقود. وهي مؤشرات تعكس أن الإدارة الناجحة دائمًا ما تُقاس بقدرتها على تحويل الأفكار إلى واقع، والأزمات إلى فرص.
وفي هذا السياق، تبدو الرؤية التي تتبناها الهيئة الوطنية للإعلام بقيادة الكاتب الصحفي الكبير أحمد المسلماني منسجمة مع فلسفة الدولة في استعادة الدور التاريخي لماسبيرو، ليس باعتباره مبنى عريقًا فحسب، بل مؤسسة قادرة على استعادة مكانتها، وتوظيف تراثها الهائل في صناعة المستقبل. وهي مهمة ليست سهلة، لأن إعادة بناء المؤسسات العريقة تحتاج إلى رؤية، وإدارة، وإيمان بأن التاريخ يمكن أن يكون نقطة انطلاق لا عبئًا يُحمل على الأكتاف.
إن ماسبيرو لم يكن يومًا مجرد مبنى يطل على النيل، بل كان نافذة أطل منها المصريون على أنفسهم، وأطل منها العرب على مصر. واليوم، وهو يدخل مرحلة جديدة من تاريخه، فإن القضية لم تعد إنقاذ مؤسسة، بل حماية ذاكرة أمة.
فالذاكرة حقٌ للأجيال القادمة. والإعلام ليس مجرد مهنة، بل رسالة وطنية. أما الأمن القومي، فلا يبدأ من حماية الحدود فقط، وإنما يبدأ أيضًا من حماية العقل، وصيانة الهوية، والحفاظ على الرواية المصرية، لأنها السور الأخير الذي لا يجوز أن يسقط، والكنز الذي لا يحق لنا أن نفرط فيه.