لم تراهن المنصات الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية على تقديم المعلومة بقدر ما تراهن على قدرتها على صناعة الضجيج. فكلما ارتفع الصوت، واتسعت مساحة السخرية، وتراجع النقاش الموضوعي، زادت فرص الانتشار وجذب التفاعل. وفي هذا الإطار، يقدم الإرهابي الهارب محمد ناصر نموذجا لخطاب إعلامي يقوم على الإثارة المستمرة، ويغلب فيه الأداء الاستعراضي على التحليل المهني، حتى باتت الحلقة أقرب إلى عرض يومي يعتمد على الانفعال أكثر من اعتماده على المعلومات.
ومن يتابع مضمون البرنامج يلاحظ أن الإيقاع السريع، والانتقال المفاجئ بين الملفات، والمبالغة في الأداء الصوتي والحركي، أصبحت عناصر أساسية في طريقة التقديم، بينما يتراجع الاهتمام بتقديم قراءة متماسكة للأحداث أو عرض الوقائع في سياقها الكامل.
الصخب بديلا عن الحجة
يعتمد البرنامج بصورة واضحة على السخرية اللاذعة والتعليقات الساخنة والانفعالات المتكررة، وهي أدوات قد تجذب الانتباه، لكنها لا تغني عن الحجة أو التحليل. ومع تكرار هذا الأسلوب إلى جانب أسلوبه البذيئ في الألفاظ المستخدمة أو الإيحاءات تتحول القضية نفسها إلى مجرد خلفية للأداء، بينما يصبح الهدف الرئيسي هو إثارة ردود الأفعال وتحقيق أكبر قدر من التفاعل.
كما تطرح ملفات سياسية واقتصادية شديدة التعقيد في صورة مبسطة ومختزلة، من خلال مقارنات أو تعليقات سريعة لا تمنح المشاهد فرصة لفهم أبعادها الحقيقية، وهو ما يفرغ النقاش من مضمونه ويحول القضايا العامة إلى مادة للاستهلاك اليومي بدون وعي حقيقي، فقد يجتزأ من الحقيقة ما يتناسب مع تنفيذ أجندته وتشويه صورة الدولة المصرية والتقليل من إنجازاتها طوال السنوات الماضية وهو ما يلجأ له إعلام الإخوان باستمرار بجانب الشائعات لمحاولة السيطرة على عقل المشاهد بأحداث بها جزء من الصحة ولكن مجتزأة بما يخدم مصالحهم.
محتوى يفتقر إلى العمق
ويغيب عن كثير من الحلقات الاستناد المنتظم إلى مصادر موثقة أو دراسات أو بيانات رسمية، لتحل محلها التعليقات والانطباعات الشخصية. ويؤدي ذلك إلى تقديم خطاب يعتمد على إثارة المشاعر سواء بالغضب أو السخرية أو التهكم أكثر من اعتماده على التحليل المنهجي القائم على الأدلة فالأدلة لديه تتمثل في تعليقات اللجان الإلكترونية التابعة لهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما يلاحظ المتابع وجود تغيرات متكررة في زوايا الطرح والمواقف من بعض القضايا، بما يعكس تركيزا على مواكبة الجدل اليومي أكثر من بناء رؤية تحليلية متماسكة، وهو ما يجعل المحتوى أسيرا للإثارة اللحظية.
عندما تتحول السياسة إلى مادة ترفيهية
ويرى متخصصون في الإعلام أن أخطر ما في هذا النمط من المحتوى ليس فقط محدودية قيمته المهنية، وإنما تأثيره في تشكيل وعي الجمهور، إذ تقدم القضايا العامة في قالب ترفيهي سريع، فتتراجع مساحة التفكير النقدي لصالح الانفعال، ويصبح الجدل هو الغاية، لا وسيلة لفهم الواقع.
كما أن الاعتماد المستمر على السخرية والتهكم قد يمنح المشاهد إحساسا زائفا بالإحاطة بالقضايا، بينما تغيب التفاصيل والسياقات التي تساعد على تكوين رأي مستند إلى معلومات دقيقة.
بين الإعلام والاستعراض
الإعلام الحقيقي يقوم على تقديم المعلومات، وإتاحة الفرصة للجمهور لتقييمها، بينما يعتمد الإعلام الاستعراضي على صناعة المشهد، وتكثيف الانفعالات، وتحويل كل قضية إلى مادة قابلة للتداول السريع. ومع اتساع هذا النمط، يصبح التحدي الأكبر هو تعزيز الوعي الإعلامي، وتمكين الجمهور من التمييز بين التحليل الجاد والمحتوى الذي يكتفي بإنتاج الضجيج.
إعلام "الندابة أو المعددة"
وهنا نتذكر ما قاله الدكتور ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام إن بعض مقومات وسمات إعلام جماعة الإخوان الإرهابية من خارج مصر، سواء كان إعلاماً تقليدياً أو على وسائل التواصل الاجتماعي، سواء قام به أعضاء الجماعة المنظمون بمختلف انقساماتها أو الملتحقة بهم من المنتمين لتيارات أخرى، وذلك خلال كتابه "الإخوان.. إعلام ما بعد السقوط".
وتطرق إلى ملاحظة جوهرية عامة يتسم بها هذا الإعلام بمختلف منصاته وبرامجه وشخوصه وهي تتعلق بالشكل وطريقة الأداء أو بالمضمون الذي يتم بثه ونشره عبر هذه المنصات، ورجع هنا مباشرة إلى مهنة "الندابة" أو "المعددة" التي ظهرت في مصر لمدة طويلة وكذلك في بعض مناطق الجزيرة العربية وبعض مناطق الشام ولا تزال توجد في بعض من دول إفريقيا جنوب الصحراء وفي مصر الحالية تراجع وجود "المعددة" أو "الندابة" إلى حد كبير في المناطق الحضرية والمدن وإن ظل لها وجود ملحوظ في بعض المناطق الريفية وخصوصاً في الصعيد جنوب البلاد. أما من هي "المعددة" أو "الندابة"، فيكفي أن ترجع إلى الكتاب المرجعي المهم الذي ألفه المفكر الموسوعي والعلامة الكبير أحمد أمين عام 1953، بعنوان "قاموس العادات والتعابير المصرية"، والذي يعرف به المرأة التي تمتهن هذه المهنة بأنها "امرأة تدعى للغناء في المأتم، وهي تستفسر أولا عن الميت ومن هو، وعلى أي حال كان، وما فضائله ومزاياه، وتصوع من كل ذلك كلاماً في "تعديدها" يثير كوامن النفوس، ولها لسان فصيح وقدرة تامة على الإبكاء، وبعضهن يصحبن معهن الدف، فيترن بذلك دوافع اللطم على الوجوه".
وبحسب أحمد أمين وكثير من علماء الاجتماع والتراث المصريين والعرب وكذلك المشاهدة العيانية، فإن "المعددة" أو "الندابة"، هي مهنة لبعض النساء ولیست ممارسة طقوس حزن عادي طبيعي تمر به من تقوم بالندب بصوت عال في الجنائز، أو تلقى صارخة "العدودة" في ريف مصر الجنوبي والشمالي وهي الكلام المنظوم في محاسن المتوفي. فمن تمتهن هذه المهنة هي امرأة تحترف استدرار البكاء والعويل في أحزان الآخرين، وتأخذ عن أدائها هذا أجراً نقدياً أو عينياً من أهل المتوفى الذين يستأجرونها للقيام بهذا الدور والمهنة.
فأما عن التشابه الشكلي والموضوعي بين "المعددة" أو "الندابة" والقائمين على إعلام الإخوان بكل صوره وأصنافه فهو متعدد الزوايا. فمن ناحية أولى يلاحظ متتبع هذا الإعلام أن هؤلاء القائمين عليه يتبعون حرفياً في أدائهم سلوك "المعددة" أو "الندابة"، من حيث الاستمرار دون انقطاع في العويل والصراخ وافتعال الحزن والبكاء مع ارتفاع أو انخفاض في مستوى هذا الأداء المستمر. والفارق الموضوعي الوحيد هنا والمهم هو أن "المعددة" أو "الندابة" الطبيعية لا تفتعل موت أحد أو تختلق جنازة لكي تمارس مهنتها، أما القائمين بإعلام الإخوان فلا يبحثون في بلدهم الأصلي مصر سوى عن السلبي من التطورات مبالغين فيها إلى حد افتعال حالة الموت وسياق الجنازة، حتى يمارسوا ندبهم وبكائهم المفتعلين سعياً وراء الهدف الطبيعي لأصحاب هذه المهنة وهو دفع مشاهديهم ومتصفحيهم وقرائهم إلى مزيد من الحزن والعويل والصراخ.
من ناحية ثانية يتفق القائمون على إعلام الإخوان مع "المعددة" أو الندابة في تكرار الكلام المنظوم أو "العدودة" طوال كل حلقاتهم وبرامجهم وهي المعادل للجنائز في حالة المهنة الأصلية، مفتعلين فيها من المضامين ما يقدم هدفهم النهائي السياسي وهو إشاعة حالة اليأس والحزن والغضب بين المصريين أما ما يختلف فيه إعلاميو الإخوان عن صاحبات المهنة الأصلية. فهم أنهم لا يرون في بلدهم - الذي يحاولون تصويره بأنه الميت - أي شيء إيجابي ينكرونه، فهم لا يرون ولا يعددون سوى السلبيات التي لا يتوقفون طوال نديهم وعديدهم عن ذكرها والتركيز المفرط عليها.
ويتفق إعلاميو الإخوان مع "المعددة" أو "الندابة" أيضاً في أمرين آخرين: فكلاهما يتدرب على أدائه بصورة احترافية لكي يقنع من يرونه بصدق حياة والواته وندبه، وكلاهما أيضاً يتصنع في هذا الأداء أنه صاحب الحزن الفعلي والقريب ممن يندبه، وأنه يعبر عن مشاعر صادقة حقيقية وليس عن استئجار له لكي يقوم بهذا الدور.
وأما وجه التشابه الأخير والجوهري بين "معددات وندابات إعلام الإخوان وبين صاحبات المهنة الأصلية، فهو أنهم يتقاضون مقابل هذه المهنة التي يحترفونها مقابلاً مادياً، لا يمكن مقارنته بالنذر اليسير من المال أو الطعام الذي تأخذه "المعددة" أو "الندابة" الطبيعية، فهم يتقاضون مباشرة أجوراً عالية للغاية فضلاً عما يتم إنفاقه على إعداد أستوديوهات ومنصات الندب والعديد، من محطات تلفزيونية ومواقع إلكترونية وصحف ومجلات مطبوعة وهو ما لا تتطلبه المهنة الأصلية.