على امتداد ما يقرب من 100 عام هى عمر السينما المصرية، منحت الشاشة الفضية نجومها المجد والشهرة، لكنها في المقابل كثيرًا ما فرضت عليهم قيودا فنية، فحاصرت كثيرين داخل قوالب محددة من الشخصيات والأدوار، حتى أصبح الخروج منها مغامرة قد تكلفهم مكانتهم لدى الجمهور. بعضهم استسلم لهذا الواقع، وآخرون حاولوا التمرد عليها، لكن القليل فقط استطاع كسر هذه القاعدة وتكتب لنفسه تاريخا مختلفا.
وعند الحديث عن نجوم جيل الألفية الجديدة، يصعب تجاهل تجربة كريم عبدالعزيز، التي تعد واحدة من أكثر التجارب ذكاء في قراءة المشهد السينمائي، وأكثرها قدرة على الاستفادة من دروس تاريخ السينما المصرية ونجومها.
فمنذ بداياته أدرك كريم أن تيار الشللية الفنية الذي فرض نفسه على السينما في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، قد يمنح أصحابه نجاحًا سريعًا، لكنه لن يضمن لهم الاستمرار أو التنوع. لذلك رفض أن يحصر نفسه داخل قالب واحد، واختار أن يتحرك بين الشخصيات والأنواع السينمائية بهدوء وثقة، مثل عصفور ينتقل بين الأغصان دون ضجيج، لكنه يترك أثره في كل محطة.
ومع مرور السنوات، تغيرت الأجيال وتبدلت خريطة السينما، بينما ظل كريم عبدالعزيز محافظًا على فلسفته في الاختيار. يعرف متى يراهن على السينما، ومتى ينتقل إلى الدراما التلفزيونية، ومتى يعود إلى المسرح، دون أن يفقد بريقه أو مكانته. وكان سلاحه الدائم هو الإيمان بموهبته، واحترامه للجمهور، وحرصه على ألا يكرر نفسه.
وربما تكون أهم نقاط قوة كريم عبدالعزيز أنه لم يلجأ يومًا إلى الطرق السهلة لتحقيق النجاح. فعلى مدار أكثر من ربع قرن، ظلت أفلامه مناسبة للأسرة المصرية، خالية من المشاهد أو الألفاظ التي تخدش الحياء أو تعتمد على الإثارة المجانية من أجل جذب الجمهور. وفي الوقت الذي راهن فيه البعض على هذه الوسائل لتحقيق إيرادات سريعة، راهن كريم على جودة العمل، وقوة السيناريو، واحترام عقل المشاهد، فكان الرهان هو الرابح.
كما أن تنوعه الفني لم يكن مجرد تنقل بين أنواع مختلفة من الأفلام، بل كان قدرة حقيقية على إعادة تقديم نفسه في كل مرة بصورة جديدة. قدم الدراما الاجتماعية، والدراما النفسية، والكوميديا، واللايت كوميدي، والأكشن، والتشويق، والأعمال التاريخية، وفي كل لون أثبت أنه ممثل يمتلك أدوات مختلفة، وليس نجما يكرر نجاحاته السابقة.
ويكفي أن نتأمل الشخصيات التي قدمها لندرك حجم هذا التنوع؛ فهو “محمود” في الهروب، و”عمر” في الزيبق، و”يحيى راشد” في الفيل الأزرق، و”حسن الصباح” في الحشاشين. شخصيات لا يجمع بينها أي تشابه، سواء في البناء النفسي أو الأداء أو لغة الجسد أو طريقة الحديث، وهو ما يؤكد أن كريم عبدالعزيز ممثل يخلق لكل شخصية روحًا مستقلة، لا نسخة جديدة من نفسه. وهي أدوار بالغة الصعوبة، لا يستطيع كثير من أبناء جيله الاقتراب منها بالقدر نفسه من الإقناع.
واليوم، وبعد ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا على أولى بطولاته السينمائية، أصبح الفارق الذي صنعه بينه وبين أبناء جيله واضحا أمام أي متابع منصف للحركة الفنية العربية. فلم يعد نجاحه مرتبطًا بفيلم أو موسم، وإنما بمشروع فني متكامل يقوم على التنوع، واحترام الجمهور، وحسن الاختيار.
ولم يكن غريبا أن يضع الجمهور ثقته الكاملة فيه، ليصبح كريم عبدالعزيز أول نجم مصري يكسر حاجز 100 مليون جنيه في شباك التذاكر بفيلم الفيل الأزرق، مسجلًا اسمه كأول عضو في نادي المائة، قبل أن تتحول هذه الأرقام لاحقًا إلى هدف يسعى إليه الجميع. وستظل البداية، وافتتاح هذا النادي، تحمل توقيع كريم عبدالعزيز.
لكن ما يميز كريم أنه لم يتعامل مع هذا الإنجاز باعتباره محطة وصول، بل اعتبره بداية لتحدٍ جديد، فازدادت جرأته في الاختيار، وأصبح أكثر حرصًا على تقديم شخصيات مختلفة، وكأنه يمتلك ترمومتر يقيس به نبض الجمهور قبل كل عمل جديد.
ومع كل تجربة، كانت الإيرادات تتجاوز ما قبلها، حتى أصبح اليوم النجم العربي الوحيد الذي يمتلك خمسة أفلام ضمن نادي المائة، هي الفيل الأزرق، كيرة والجن، بيت الروبي، المشروع X، و7Dogs، الذي أصبح الفيلم الأعلى إيرادًا في تاريخ السينما العربية، كما يعد من التجارب العربية القليلة التي نافست الفيلم الأجنبي في دور العرض العربية، وحققت حضورًا لافتًا داخل عدد من الأسواق الخارجية.
لكن الأرقام وحدها لا تصنع الأسطورة، وإنما تصنعها القدرة على الحفاظ على ثقة الجمهور عامًا بعد عام. وهذه الثقة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة مشروع فني يقوم على التنوع، والاحترام، والابتعاد عن الاستسهال، والإيمان بأن النجاح الحقيقي لا يقاس بإيرادات فيلم واحد، بل بتاريخ كامل من الاختيارات الصحيحة.
ولهذا، لم يعد كريم عبدالعزيز مجرد نجم شباك أو صاحب أرقام قياسية، بل أصبح الرهان الأكثر أمانًا بالنسبة للمنتجين، والنموذج الأبرز للنجم الذي جمع بين القيمة الفنية والنجاح الجماهيري، واستطاع أن يحافظ على مكانته في القمة دون أن يفقد احترام جمهوره أو يكرر نفسه.
لهذا كله، يبقى كريم عبدالعزيز رهان السينما الرابح