تمرّ أحيانًا على الإنسان أوقاتٌ شرسة، تلتهم روحه وتمضي عليه كأنها أثقال يحملها فوق ظهره. فتمرّ الدقائق ساعات، والساعات أيام، ولا تتحرك آلة الزمن، حتى تستنزف من جسده ولحمه، وتترك في أعماقه ندوبًا تحرق الروح. وفي أحيانٍ أخرى، يمرّ الزمن كأنه سحابة صيف؛ فإذا بالسنوات دقائق معدودات، لا يشعر فيها الإنسان إلا وقد باغته الزمن دون روية.
تمرّ الساعات لتصبح سنوات قليلة، فيدرك الإنسان أن أشياء كثيرة يمنحها أولوية في حياته قد لا تكون سوى أوهام، وأن الزمن كفيل بأن يعلّمه ويعيد ترتيب وعيه. فينضج إدراكه، ويتخفف من بعض غلوائه، ويأخذ قدرًا من الحكمة التي تعينه على مدار الأيام، ليحيا حياة أكثر اتزانًا, لكن ما معنى تلك الأيام التي يلتهمها الزمن دون أن يتوقف لحظة واحدة؟ لا قوة تستطيع إيقافه، وكأن الزمن يجمع في طياته كل الأزمنة؛ فهو للصبي صبي، وللشباب شباب، وللشيوخ شيخوخة تتلون بلون الإنسان وتكوينه.
إنها ملامح تتغير وتكبر، ولا سبيل إلى وقف ما يطبع الزمن به أجسادنا ونفوسنا، وما يعترينا عبر ماضي الأيام. فالزمن أزمنة، والنفس نفوس، والحياة حيوات، تتقلب بينها الأشياء لتأخذ شكلًا جديدًا باستمرار، ثم تهوي في النهاية إلى نتيجة واحدة: أن الإنسان يموت، ليصير حفنة من تراب الأرض يتساوى فيها الجميع أمام مهابة الموت وقوة الزمن، يبقى الإنسان عاجزًا، يظل يكافح ويكابد، ويحاول أن يحارب الزمن ليمنح نفسه فترة لا يمضي فيها أثره.
إن محاولات العلم للوصول إلى “ترياق الحياة الأبدية” ليست إلا صراعًا مع الطبيعة ذاتها؛ فحتى لو قدر للإنسان أن يبتكر أدوية تطيل العمر إلى مئات السنين، فهل ستمنحه فعلًا الحياة التي يبحث عنها؟ وهل نضحي بما بين أيدينا لنطارد ربما وهمًا؟ وهل للزمن نهاية كما أن له بداية نعيش فيها، أم أنه غير موجود أصلًا، ونحن نطارد سرابًا؟ وهل يعيش الزمن في زمنٍ أكبر منه، أم أن كل هذا يدور في دائرة لا علاقة لها بالزمن كما نتصوره؟ وهل التغيرات التي تطرأ على أجسادنا وأرواحنا هي فعل الزمن حقًا، أم أنها مجرد قانون للتكوين لا شأن للزمن به؟
هل هناك ماضٍ وحاضر فعلًا، أم أننا نتوهم ذلك، بينما الكون قابع في لحظة واحدة بلا حركة من خارجها، فنعيش في “لا زمن” أسئلة كثيرة، وحيرة متراكمة، وأفهام لا تصل إلى شاطئ، كأنها أمواج تضرب أعماق البحار واغوار النفوس. إنها ألغاز ومتاهات، فهل تنصف الإنسان يومًا معرفةً في المستقبل، فتفك بعض شفرات ما غمض من حبائلها المتشابكة؟