فى خندق دفاعى ظهرت عظام بشرية، وفى الآبار والحفر عثر الباحثون على رفات أخرى، ثم بدأت الأسلحة والمعدات فى الظهور؛ رؤوس رماح وسهام، أجزاء من خوذ ودروع، عملات، ومسامير حديدية ما زالت محتفظة بترتيبها داخل أحذية جنود عاشوا قبل نحو 1800 عام. المكان معسكر عسكرى رومانى ضخم اكتشف بالقرب من مدينة شورانى Šurany جنوب غرب سلوفاكيا، ويرجح علماء الآثار ارتباطه بالحروب الماركومانية التى خاضتها روما فى عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس بين عامى 166 و180 ميلادية، بينما تثير طريقة العثور على الموتى داخل الموقع أسئلة حول الساعات الأخيرة فى حياة المعسكر.
وبحسب تقرير نشره موقع Live Science فى 23 يوليو 2026، استنادًا إلى بيانات فريق التنقيب ومعهد الآثار التابع للأكاديمية السلوفاكية للعلوم، فإن المعسكر يمثل كشفًا نادرًا بسبب مساحته الكبيرة وإمكانية دراسة معظم تخطيطه، إلى جانب العثور على بقايا بشرية داخل الخنادق والآبار والحفر، مصحوبة بمعدات وأسلحة عسكرية رومانية.
7.4 هكتار لمعسكر رومانى مؤقت
يشغل المعسكر مساحة تقدر بنحو 7.4 هكتار، واكتشف خلال واحد من أكبر مشروعات التنقيب الأثرى التى شهدتها سلوفاكيا، داخل المنطقة المخصصة لإنشاء متنزه شورانى الصناعى، حيث فحص علماء الآثار أكثر من 150 هكتارًا، مع استمرار العمل فى مساحات إضافية. ويصف معهد الآثار التابع للأكاديمية السلوفاكية للعلوم الكشف بأنه أول معسكر رومانى ميدانى معروف فى منطقة بونيتريه حول نيترا، وهو ما يضيف معلومات جديدة عن النشاط العسكرى الرومانى شمال نهر الدانوب خلال العقود الأخيرة من القرن الثانى الميلادى.
خمس بوابات ومدخل يبطئ المهاجمين
يختلف شكل معسكر شورانى عن التخطيط المستطيل المنتظم المعروف فى كثير من المعسكرات الرومانية، إلا أن الحفائر كشفت عناصر الدفاع الأساسية، ومنها الخنادق والسواتر وخمس بوابات. ومن أكثر العناصر أهمية مدخل من طراز Clavicula، يعتمد على خندق وساتر منحنيين يجبران القادم إلى البوابة على تغيير اتجاه حركته، بما يبطئ المهاجم ويجعل اقتحام المدخل أكثر صعوبة، ويؤكد علماء الآثار أن هذا النوع من البوابات يسجل ظهوره الأول المعروف فى سلوفاكيا.
لماذا وصل الموتى إلى الآبار والخنادق؟
جاءت المفاجأة الأكبر مع العثور على عدد كبير من الهياكل البشرية وبقايا الأجساد داخل الخنادق والآبار وحفر التخزين والقبور السطحية، وتشير النتائج الأولية إلى أن عددًا من أصحابها كانوا جنودًا رومانيين، خاصة مع وجود مكونات من الأسلحة والمعدات العسكرية بجوار الرفات. وتمنح مواقع العثور على الجثث الكشف طابعًا استثنائيًا، إذ يحاول الباحثون الآن فهم الظروف التى أدت إلى وضع الموتى بهذه الطريقة وما إذا كانت مرتبطة مباشرة بالصراع العسكرى الذى أنهى وجود المعسكر.
كيف مات جنود المعسكر؟
تفتح طريقة العثور على الجثث بابًا واسعًا أمام الباحثين؛ فوجود أجساد داخل بئر أو خندق أو حفرة تخزين يختلف عن الدفن المنظم، كما أن بقاء المعدات العسكرية مع بعض الرفات يضيف مزيدًا من الأسئلة حول اللحظات الأخيرة للموقع. ويسعى الفريق إلى تحديد هوية أصحاب الهياكل وأسباب الوفاة والظروف التى أحاطت بهم، ومن المقرر أن تشمل الدراسات اللاحقة تحاليل الحمض النووى والنظائر والكربون المشع والفحوص الأنثروبولوجية، فى محاولة لإعادة بناء ما جرى داخل المعسكر.
خوذ ودروع ورماح تركها الجنود خلفهم
عثر الباحثون بين الرفات على مجموعة واسعة من أدوات الجندى الرومانى، شملت رؤوس الرماح والسهام وأجزاء من الخوذ، وقطعًا من الدروع الصفائحية Lorica segmentata والدروع الحرشفية Lorica squamata، إلى جانب دبابيس عسكرية وعملات ومسامير الأحذية العسكرية الرومانية المعروفة باسم Caligae. كما ظهرت أدوات من الحياة اليومية، بينها فأس وأداة للقطع وحجر نرد، لتقدم المكتشفات صورة لمعسكر عاش فيه الجنود حياتهم اليومية بين القتال والطعام والراحة واللعب وصيانة المعدات.
حذاء جندى بقى مقاسه بعد 1800 عام
تأتى الأحذية بين أكثر تفاصيل الكشف إثارة؛ إذ تحللت الأجزاء العضوية مع مرور القرون، بينما بقيت المسامير الحديدية المستخدمة فى تثبيت النعال محتفظة بترتيبها داخل كتل التربة. واستخدم العلماء الأشعة السينية لرؤية شكل المسامير قبل التعامل مع القطع الهشة، وأوضح أحد الباحثين أن درجة الحفاظ عليها تسمح حتى بتقدير مقاس حذاء صاحبه، لتنتقل الحكاية من الإمبراطوريات والحروب إلى تفصيلة إنسانية تخص جنديًا مشى بهذا الحذاء قبل نحو ثمانية عشر قرنًا.
هل شهد المعسكر مواجهة عنيفة؟
يرى الباحثون أن الموقع انتهى وجوده فى أعقاب صراع عسكرى بين القوات الرومانية والجماعات الجرمانية، وهو ما تدعمه طبيعة المكتشفات وطريقة العثور على بعض الموتى والمعدات. وأكد ماتيج روتكاي، مدير معهد الآثار بالأكاديمية السلوفاكية للعلوم، أن الفريق يدرس موقعًا انتهى مباشرة بعد مواجهة عسكرية بين الرومان والجرمان، بينما تظل التفاصيل الدقيقة للأحداث بحاجة إلى نتائج التحاليل والدراسات المقبلة.
حرب ماركوس أوريليوس على حدود الدانوب
يرجع المعسكر إلى النصف الثانى من القرن الثانى الميلادى، ويربطه الباحثون على الأرجح بالحروب الماركومانية، وهى سلسلة من الصراعات التى خاضتها الإمبراطورية الرومانية ضد الماركومانيين وجماعات جرمانية أخرى على حدود الدانوب بين عامى 166 و180 ميلادية. وقاد الإمبراطور ماركوس أوريليوس جانبًا من هذه الحملات، وتحركت القوات الرومانية خلالها إلى مناطق تقع وراء الحدود التقليدية للإمبراطورية، وهو ما يمنح الكشف فى شورانى أهمية فى إعادة رسم خريطة التحركات العسكرية الرومانية فى وسط أوروبا.
موقع يحتفظ بآلاف السنين من التاريخ
المعسكر الرومانى يمثل فصلًا واحدًا من تاريخ المنطقة؛ فالحفائر الواسعة المرتبطة بمشروع المنطقة الصناعية كشفت أيضًا آثارًا من فترات أخرى، بينها شواهد تعود إلى العصر البرونزى والعصور الوسطى، ما يعكس امتداد النشاط البشرى فى المنطقة عبر آلاف السنين. ومع ذلك يبقى المعسكر الرومانى أكثر المكتشفات إثارة بسبب الصورة التى تركتها نهايته؛ أسلحة ومعدات بقيت فى مواضعها، وأحذية ظلت مساميرها محفوظة، وأجساد وصلت إلى الآبار والخنادق، بينما يحاول علماء الآثار بعد نحو 1800 عام إعادة تركيب الأيام الأخيرة التى سبقت اختفاء المعسكر.

بقايا

حفرة

عضام