في عالمٍ يزداد ضيقاً وشحاً في المساحات، لا تُقاس المساحةُ المتبقيةُ للحيَاة بالأمتارِ والمساحاتِ، بل تقاس بـ "سعة الصدر".
طوبى لترابٍ يحمل أولئك الذين أدركوا أن الحياة أضيق من أن نضيق بها، فاشتروا راحة البال ببسط القلوب، وجعلوا من صدورهم موانئ آمنة تستقبل عواصف الآخرين دون أن تنكسر.
إن سعة الصدر ليست مجرد مجازٍ لغوي، بل هي "اتساعٌ" يلمس الروح قبل المعنى، هؤلاء الذين يتمتعون بهذه السعة لا يمتلكون صدوراً أوسع حجماً من غيرهم، لكنهم يمتلكون "صدوراً" تتسع للأخطاء دون أن تضيق بالبشر.
هم الذين يجعلون من صدورهم "مصدرًا" للدفء والأمان؛ فإن تصدّرت مشكلات العصر المشهد، وجدتم صدورهم هي المصدّ الأقوى لكل حزنٍ وغلظة.
ليس من السهل أن تحافظ على اتساع صدرك في زمنٍ يُحتفى فيه بالردود السريعة والانفعالات الحادة.
سعة الصدر هي كظمُ الغيظ في أبهى صوره، هي القدرة على أن تصدر قراراً بالعفو في لحظةٍ كان يمكن لك فيها أن تصدر حجماً هائلاً من الغضب.
إنه الفارق الدقيق بين "الصدر" الذي يتلقى الصدمة فيصمت كظماً، و"الصدر" الذي يستوعبها فيبتسم حباً؛ فالأول يُنهك صاحبَهُ، والثاني يُحرّرُه.
يا لجمال أولئك الذين إذا صُدوا عن العطاء لم يصدر منهم إلا التسامح، وإذا ما تقاطعت طرقهم مع الجفاء، كان "صدورهم" أوّل مرحّبٍ وأخير متراجع! إنهم يعرفون أن ضيق الصدر يضيق بالحياة قبل أن يضيق بالناس، وأن المرء كلما اتسع صدره، اتسعت أمامه منافذ الأمل، وجاءت له الدنيا تسعى على أطراف أصابعها.
طوبى لهؤلاء الأنقياء؛ لأنهم يتنفسون بملء الرئتين سلاماً، ولا يتركون في صدورهم مكاناً لضغينة أو عتب.
طوبى لمن جعل من صدره داراً تُستضاف فيها الأعذار، ولا تُرفع فيها أسوار الخصومة، فإن رحلوا عن هذه الدنيا، ترَكوا خلفهم أثراً لا يضيق به المدى، وسيرةً تتسع لها القلوب أبداً.