لا أحد أنجح منه، أو أغلى.. ثلاثة عقود أو يزيد على القمة، يعرف قيمته جيدا، ويُجيد الاستثمار فى علامته التجارية.
صاعدًا، ما يزال، على منحنى النجومية، وإن انعكس اتّجاهه عن غير قصد، فيما يخص المُنتَج وفنّيته.
حصة كُبرى من السوق؛ أو مَتنه الذى ترتسم حوله الدوائر. نجم يُحاكيه، وآخر يجرى ليُقارَن به، وثالث يتحرك على هَديه، وثمّة من يشتمه لتجمعهما جملةٌ، وفريق لا يلحقونه فيُطاردون ظلّه البعيد.
أُحبُّ عمرو دياب، وأنا أحد المغرمين بصوته ومشروعه، وأعدّه الأهم فى نصف قرنٍ، محليًّا وعربيًّا، ولجهة الذيوع والتنوُّع والأثر.
وأحسبُ أنَّ التوقف إزاء تجربةٍ أو أكثر لديه بالنقد، لا يخصم من المحبّة، ولا يمس المكانة.
استمعتُ لألبومه الجديد نحو عشر مرات، منذ طُرِح قبل ستّة أيام. اثنتا عشرة أغنية متنوّعة؛ لكنها تكاد تكون مُستنسَخَة عن سوابقه، فلا جيد، ولا جديد للأسف.
الكلام هزيل، وأعرف أنه لم يعُد بين رهاناته. كتبتُ عنه قبل تسع سنوات أنه «رجل الرهانات المُختلفة»، بالتزامن مع إصداره «معدّى الناس/ 2017»، ولم يكن أحسن حظًّا فى الكتابة؛ إنما لم يفتقد لبريق النغم، لحنًا وفى الهارمونية.
المُغاير هُنا؛ أنه تخلّى عن رهان الموسيقى، وما استعاد قبسًا ضيّعه من روائح الشعر؛ فبدا المزيج باهتًا فى المعنى والمبنى، تكرارًا لا يُدهش، وحَشوًا لا يُسمِن ولا يُغنى من جوعٍ.
أضعف أعماله على الإطلاق، كما كانت نسخة السنة الماضية بالقياس لسابقتها. وهكذا من صيف للتالى، ينزلقُ ببطء لا يُناسِب خبرته، ويمنعه النجاح المضمون من التوقّف والمُراجعة والاستدراك.
على طول رحلته، أصدر نحو ستّة وثلاثين عنوانًا، رُبعها فى آخر عقدٍ.. يصعُب على أعتى مُحبّيه أن يستذكر عُشر الأغنيات التى تتخطّى المائة، وبالكاد يُمكن استعادة ثلاث أو أربع، وهكذا تغلُب الاستهلاكية، على ما كان يُولَد ليَبقَى!
تغيّرت اقتصاديات الصناعة قطعًا، وتحوّلت معها نظرة الصُنّاع للعملية بتفاصيلها ومراميها؛ فصار البعض يعملون لأنهم يعتادون، والبقية ليحجزوا أماكنهم فى الحفلات.. باختصار؛ غناءُ التوقيع بالحضور، لا للإبداع أو الإمتاع!
وما زال «دياب» أهم الأسماء على الساحة كلها؛ غير أنه اعتمد منطقًا غريبًا فى تنظيم علاقته بالفن والجمهور.
صار منذ بضع سنوات زائرا موسميًّا، يُغازل المُصطافين على الشواطئ، ويكفيه أن يسير بطول الساحل، فيجد أُغنياته مُهيمنة على الأجواء، تُفرَد مع الشماسى، وتُجمَع بانتهاء الصيف، ولا يهمه أن تبقى، ولا أن تلقى قبولاً فى بقية الأنحاء!
رحلة عمرو من عبد الرحيم منصور وعصام عبد الله فى بداياته، إلى مصطفى حدوتة ومَن يشبهونه فى الأواخر. ولا يعود الانحراف لرغبةِ التجديد والاختلاف، أو للانفتاح على الأشكال الأخرى.
فعندما انطلق قبل أربعة عقود، كان على الساحة حسن أبو عتمان ويوسف طه والريّس بيرة وغيرهم من نجوم الهامش، وما تعاون معهم الشاب الطموح، ولا جرّب السباحة فى مائهم.
لكنه اليوم يعبر الشوارع الخلفية؛ لعجزٍ عن الابتكار فى مجراه، ولهَلعٍ من قوانين البيولوجيا، مُتوهّمًا أن التدنىّ قد يُعوّضه عن الوهج المفقود، يردّ له شبابه الضائع، ويمدّ فى عُمر التجربة!
والحقيقة أنها ليست مُشكلته وحده؛ فالبقية ليسوا أحسن حالاً. صدر قبله بأسابيع ألبوم حماقى من ثمانى عشرة أغنية تُنسَى قبل أن تنتهى.
ورامى صبرى وتامر حسنى وتامر عاشور وسواهم، كثيرون يجتهدون بكل طاقتهم، ويأتى الأثر أقل مِمّا نتمنّى، ويتمنّون ويقدرون.
مائدة بامتداد السوق، وصنف واحد فى أطباق شتّى؛ حتى لتَشعُر كأنها أغنية واحدة، طويلة، مُملّة، ومُتذبذبة المستوى.
شهدت الفترة الأخيرة جدلاً عظيمًا، عندما اشتكى المُلحن نادر نور من إنكار زملائه، وتعاطف معه الناس، وخرج أهل الصنعة ليُبرّروا. وقتها قال أحد المُغنِّين، مِمَّن يُتَّهَمون بأنهم نُسخة مُقلَّدَة عن عمرو، ليُحيل الأمر إلى وفرة الشعراء والمُلحنين، وقلة المُطربين.
وهُنا مَكمن الأزمة؛ فالنُدرة أوحت بالأهمية على غير الحقيقة، وقلّصت الحاجة للجدية والاجتهاد، مع انعدام المُنافسة تقريبًا، وضمان الفرص والمزايا المادية والمعنوية.
وبقدر ما نحتاج لإنعاش المُطربين المُتحقّقين، وأن يلتفتوا بإجلال أكبر لأدوارهم الإبداعية، يتعيّن العمل على إفساح مجال بجوارهم لآخرين، يُحفّزونهم بالتنافس، ويُعبّرون عن ثروة البلد من المواهب.
وإذ تقاعست شركات الإنتاج، وأُوكِلَت المهمة فى الغالب للنجوم أنفسهم، يُنتجون أعمالهم ويبيعون نسختها النهائية؛ فالشباب والتجارب الطالعة يفتقدون تلك الرفاهية، ويحتاجون مساندة الجهات القادرة.
والحل فى اضطلاع وزارة الثقافة بدورٍ، واستعادة دعم «صندوق التنمية الثقافية» لبعض الأصوات والتجارب الغنائية، على أن تُعاد هيكلة المنظومة وتطويرها، وتضفيرها مع غيرها من الفعاليات.
نحتاجُ لصيغةٍ دائمة تكتشف المواهب وترعاها، وتوفر حواضن إبداعية تتلاقى فيها عناصر الصناعة، مع توفير منصات للتدريب وصقل المهارات، وأماكن للتفاعل والبروفات، وستوديوهات، وآليات للتسويق.
يُمكن أن يجرى الأمر بالتعاون مع الشركات، أو عبر تعاونيات تنشأ بمنطق ريادة الأعمال، وتتمتّع بمزايا تفضيلية. مع حفلات دورية للمواهب فى مسارح الدولة وفضاءاتها، ومساحة فى القنوات والمنصات العامة.
سيظل عمرو تجربة مهمة، وحوله نجوم لا يُنكَر حضورهم؛ غير أن أغلبهم تخطّوا عقدهم الخامس أو على أعتابه. تعجّ «السوشيال ميديا» بتجارب لا تعلم بها الأغلبية، وأضعافهم مطمورون تحت غبار الواقع.
مصر تتداول فى عشرة أو عشرين اسمًا، وتستحق أن يكون لديها ألف مُطربٍ ومطربة، والساحة العربية تتسع لأضعاف ذلك.
الكبار فقدوا حماستهم، والشباب قد يردّونها لهم، أو يملؤون الفراغ الذى تركوه. نحترمُ التجارب، ونعرف قيمتها؛ إنما يجب ألَّا نتجمّد عندها، وألَّا نُسلّم بأنهم المُنتَهى.
المُطمئنُّ لا يجتهد غالبًا، ولا حلَّ مع قانون جريشام القائل بأنَّ «العملة الرديئة تطرد الجيدة»؛ غير النقد والتجويد وتهيئة الفرص، وألَّا نتوقف عن ضخّ الجيد فى الأسواق، بلا ملل ولا انقطاع.