إكرام البدوى تكتب: مسئولية الكلمة ومعنى الوجود فى فكر ياسر قنصوة

الإثنين، 27 يوليو 2026 11:37 ص
إكرام البدوى تكتب: مسئولية الكلمة ومعنى الوجود فى فكر ياسر قنصوة د.ياسر قنصوة ود.إكرام البدوي

د.إكرام البدوي باحثة أكاديمية متخصصة بدراسات المرأة

قد تكون كتابة هذه السطور  من أقسى ما واجهتُ في حياتي؛ لأنني أكتبها في وقت كان يُفترض أن نجتمع فيه في ندوة أعدها أستاذي بنفسه، اختار موعدها ورتب تفاصيلها، ثم رحل في هدوء قبل أن يشهدها. وحتى هذه اللحظة، لم أستوعب تماماً فكرة غيابه عن عالمنا. ظل في داخلي وهم صغير يهمس بأنه مجرد مسافر سيعود، وأن مشاريعه ستكتمل كما أراد، وأنه سيجلس يوماً ليقرأ ويناقش ويبتسم.

أكتب اليوم عن أستاذي ياسر قنصوه؛ عن الأستاذ المعلم، والأب، والأخ، والصديق، والفيلسوف. هذه المعاني جميعها مجتمعة في حضوره، وفي طريقته في الإصغاء، وفي اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها الآخرون، وفي إحساسه بالمسؤولية تجاه من يطلب منه علمًا أو نصيحة أو سندًا.

كان الإنسان هو نقطة البداية في تفكيره. وكان يسأل دائمًا عن أثر الفكرة في حياة الناس: ماذا تضيف إلى الإنسان؟ وكيف تساعده على أن يفهم نفسه، وأن يعيش بوعي أكبر؟ لذلك ظل يبحث عن المعنى الإنساني في كل ما يقرأه ويكتبه ويناقشه. ولذلك أراه رجلًا نادرًا في إنسانيته؛ وهذا ليس انطباعًا شخصيًا يخصني وحدى، فقد اجتمع على محبته تلاميذه وأصدقاؤه وكل من اقترب منه.

ومن هذا الفهم اقترب من القضايا الدينية والفلسفية. كان يهتم بما يمكن أن تصنعه الفكرة في الإنسان، وبقدرتها على ترسيخ العدل والرحمة والمسئولية. وكان يرى أن الأخلاق تنبع من عمق إنسانية المرء، ومن وعيه بالآخر، ومن إدراكه أن وجوده يحمّله مسؤولية تجاه الناس والحياة. ولهذا كان يقيس قيمة أي خطاب بقدرته على أن يجعل الإنسان أكثر صدقًا، وأكثر عدلًا، وأكثر رحمة.

ربما جعل الله لكل إنسان نصيبًا من اسمه. فهو كان سهلًا ليّنًا، قريبًا من الناس من غير تكلّف، منصفًا في حكمه، متأنيًا في موقفه، له هيبة هادئة صنعتها المعرفة، والصدق، واستقامة الضمير.

تعلمت من أستاذي أن أصرخ بالكلمات من غير أن أرفع صوتي، وأن أجعل الفكرة أقوى من الانفعال. ولهذا يصعب عليّ اليوم أن أتحدث عنه؛ لأن كثيرًا من اللغة التي أواجه بها العالم تعلمتها منه.

كان يعيش الفلسفة في تفاصيل يومه. ظهرت في إنصافه، وفي طريقته في الإصغاء، وفي تواضعه أمام المعرفة، وفي احترامه للاختلاف. كانت الفلسفة لديه طريقة لفهم الحياة، ومراجعة الذات، ومواجهة ما يبدو ثابتًا ونهائيًا. ولهذا رأيناها فيه قبل أن نقرأها في كتبه.

وعندما كنا نسأله عن وظيفة الفلسفة، كان يصمت قليلًا قبل أن يجيب. كان يرى أنها تساعد الإنسان على التعايش مع نفسه ومع العالم من حوله، وتمنحه وعيًا أعمق بما يعيشه، وقدرة أكبر على الاحتمال، وشجاعة في مواجهة الحقيقة. الفلسفة لديه تدريبًا على رؤية الحياة كما هي، وعلى البحث عن معنى يمكن للإنسان أن يعيش من أجله، حتى في أشد اللحظات قسوة.

وكان يقول لي دائمًا: «الحركة بركة». وكان يقصد بها حركة العقل، وتجدد الأسئلة، والقدرة على مغادرة الخوف، والبدء من جديد كلما أغلقت الحياة طريقًا. وكان يعود إلى المبدأ الأقدم والأصعب: «اعرف نفسك بنفسك». كان يدفعنا إلى مواجهة ذواتنا بصدق، وإلى التحرر من الصور التي يفرضها الآخرون علينا. وكان يقول لي: «كوني كما أنتِ، لا كما يريدك الآخرون». علّمني أن معرفة النفس مسؤولية، وأن الإنسان يفقد جزءًا من حريته حين يترك الآخرين يحددون صورته وقيمته وحدود ما يستطيع أن يكونه.

الدكتور ياسر قنصوة كان أستاذًا للفلسفة السياسية، ومن أبرز من كتبوا في سؤال الليبرالية ومشكلاتها المفهومية، وقد تُوِّج هذا الاشتغال بحصوله على جائزة الدولة عن كتابه «الليبرالية: إشكالية المفهوم».

وفي أيامه الأخيرة، تناقشنا حول مشروع مجلة متخصصة في الدراسات السياسية كان يرتب لإطلاقها مع أحد المراكز البحثية العربية. كان يتحدث عنها بحماسة الأستاذ الذي يعرف حاجة المجال العربي إلى مساحة جادة للفكر السياسي، والنظرية السياسية، والفلسفة السياسية، وقضايا الدولة، والشرعية، والديمقراطية، والعدالة، والفكر السياسي النسوي. بدا المشروع امتدادًا طبيعيًا لطريقته في التفكير: معرفة دقيقة، أفق عربي، وانحياز واضح إلى الوعي السياسي والأخلاقي.

وجاء كتابه «عالم مو... عندما يركل الفلاسفة الكرة» تعبيرًا واضحًا عن هذا الفهم. اتخذ كرة القدم مدخلًا لقراءة الإنسان، وحوّل الملعب إلى فضاء تتحرك فيه فيها الفلسفة وعلم النفس والفن والاجتماع والواقع المعيش، وأسئلة العدالة، والحرية، والسلطة، والانتماء، والفرد، والجماعة. 
وقد التقط الروائي طارق إمام هذه الخصوصية حين وصف عالم مو بأنه كتاب عابر للنوع، واعتبره يطرح شكلًا مختلفًا للنص الفلسفي، قائمًا على الشذرة والتأمل وكسر الحدود الجامدة بين الفلسفة والأدب. وهذا الوصف دقيق؛ فالكتاب لا يحبس الفلسفة في لغتها المعتادة، ولا يتنازل عن عمقها حين يقترب من الناس.

يبدأ من شكل الكرة؛ فجميع نقاطها متساوية البعد عن المركز، ثم ينتقل إلى سؤال العدالة في الواقع. يتتبع أثر المال، والنفوذ، والجمهور، وتفاوت الفرص، ويكشف كيف يعكس الملعب العالم بما فيه من صراع وتفاوت واحتمال. ويقرأ محمد صلاح، ومارادونا، وسقراط بوصفهم نماذج للفرد الذي يصنع أثره داخل الجماعة، ويحوّل الموهبة إلى حضور يتجاوز حدود المكان والزمان.

يكشف الكتاب جوهر رؤيته للفلسفة. ولذلك أخذها إلى الملعب، وإلى الشارع، وإلى الخبرة اليومية، وإلى الإنسان حيثما كان. هكذا طبق ما آمن به: الفلسفة طريقة في النظر، وكل ما يخص الإنسان يستحق التأمل والفهم.

وأفهم اليوم أن أعظم ما تركه لنا يتجاوز المحاضرات والكتب. ترك لنا طريقة في العيش، وطريقة في النظر إلى أنفسنا وإلى العالم. علّمنا أن نفكر من غير خوف، وأن نراجع أحكامنا، وأن نتحرك حين يغرينا اليأس بالثبات، وأن نحافظ على ذواتنا وسط محاولات الآخرين لصياغتنا وفق ما يريدون.

في "كتاب على من نطلق الكلمة؟" يبدأ ياسر قنصوة من موقف يمرّ به الجميع، ثم يفتح طبقاته الفكرية بهدوء وبراعة، حتى يتحول المشهد العادي إلى سؤال فلسفي. من هنا تأتي طبيعة هذا الكتاب بوصفه نصًا سهلًا ممتنعًا؛ قريبًا من القارئ في مدخله، عميقًا في أسئلته، واسعًا في إحالاته، دقيقًا في طريقته.

لهذا نجد بروكرست إلى جوار باومان، وصلاح جاهين إلى جوار أرسطو، والذكاء الاصطناعي إلى جوار سقراط. هذه طريقة قنصوة في التفكير: يلتقط ما يبدو متناثرًا، ويضعه داخل خيط ناظم، ثم يعيدنا في النهاية إلى الإنسان، وإلى الخبرة الإنسانية التي تتشكل بين الألم، والمعنى، والكلمة، والمسؤولية.

كان يرى أن كل سؤال حقيقي عن الإنسان يقود إلى سؤال أوسع: كيف نحيا حياة تستحق أن تُعاش؟ ومن هنا أقرأ الكتاب من خلال ثلاثة أسئلة فلسفية كبرى: سؤال الإنسان ومعناه، وسؤال العالم وإدراكه، وسؤال الكلمة ومسؤوليتها.

وأحسب أن مفتاح الكتاب كله يكمن في المقال الذي اختار له عنوان «دهشة». فالدهشة هي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن استهلاك العالم، ويبدأ في رؤيته. ومنذ أرسطو، كانت الدهشة أصل التفلسف، لأنها تفتح العين على ما اعتدنا المرور فوقه من غير انتباه. من هذه الدهشة تبدأ حركة الكتاب.
يظهر السؤال الأول في صورة مباشرة: كيف يصبح الإنسان نفسه؟ تتضح هذه الفكرة في مقالات مثل «أنا لست مني» و«السيدة نظرة» و«أين يختبئ العفريت؟». يتعامل قنصوه مع الذات بوصفها خبرة متغيرة، تتشكل مع التجربة، والخسارة، والاكتشاف، والمواجهة. الإنسان يعيد فهم نفسه كلما عاش أكثر، وكل تعريف نهائي له يظلم تعقيده الإنساني. هنا يقترب من سارتر في نظرته إلى الوجود كاختيار مستمر ومسؤولية دائمة.
ثم ينتقل إلى السؤال الثاني: كيف نفهم العالم؟ في «في حضرة الصورة» و«عندما يصبح المجتمع سائلًا» و«عندما يخطفنا الرعب» و«ساعة الغباء اليومي»، يدخل العالم إلى وعينا محمولًا بالصورة، والخوف، واللغة، والإعلام، والذاكرة. هذه العناصر تصنع ما نراه، وما نصدقه، وما نخافه. لذلك يقترب قنصوة من باومان في حديثه عن سيولة المجتمع، ومن أفلاطون في سؤال الصورة والحقيقة. نحن نرى الواقع بتاريخ كامل يسكن داخلنا.
ويمنح الزمن مكانة خاصة داخل هذا السؤال. في «المجاعة الزمنية» و«اقتصاد الزمن» تظهر أزمة الإنسان المعاصر مع الوقت. الإنسان يركض أكثر، وينتبه أقل، ويستهلك أيامه بسرعة تفوق قدرته على عيشها. هنا يصبح الزمن مسألة خبرة ومعنى، وليست مسألة ساعات وجدول يومي فقط.

ثم يصل الكتاب إلى السؤال الثالث: ماذا نفعل بالكلمة؟ في «السيد قالوا له» و«همز وغمز ورمز» و«مسافر زاده الكذب»، تصبح الكلمة فعلًا أخلاقيًا. الكذب يفسد علاقة الإنسان بالحقيقة. الإشاعة تعيد تشكيل صور الناس عن بعضهم. الهمز والغمز والرمز ممارسات تصنع الثقة أو تهدمها. هنا يقترب قنصوه من حنة آرنت في إدراكها أن انهيار الحقيقة يهدد المجال الإنساني كله.

وتبلغ هذه المسؤولية مداها المعاصر في مقال «الرفيق الاصطناعي». يبقى السؤال: ماذا يتبقى من الإنسان إذا تنازل عن التفكير؟ هذه فكرة مهمة وحيوية، الذكاء الاصطناعي ينتج نصًا، ويحلل بيانات، ويستدعي معرفة، ويقلد أنماطًا لغوية مذهلة. الإنسان وحده يعرف القلق، والندم، والحب، والمسؤولية، والاختيار.

وتأتي استعادة صلاح جاهين في السياق نفسه. إنها شاهد على فكرة عميقة عند قنصوة: الحكمة قد تولد من قصيدة، ومن مثل شعبي، ومن مباراة كرة، ومن رواية، كما تولد من كتاب فلسفي.

ومن هنا أقرأ عنوان «على من نطلق الكلمة؟». الكلمة مسؤولية. كل وصف نمنحه لإنسان قد ينصفه أو يختزله، وكل حكم قد يكشف الحقيقة أو يقصيها. هنا أرى جوهر الكتاب كله: الفلسفة عند ياسر قنصوة تربية للنظر ومسؤولية في الكلمة؛ أن نتعلم كيف نرى الإنسان في كامل تعقيده قبل أن نحكم عليه، وكيف نفهم التجربة قبل أن نسميها، وكيف نزن الكلمة قبل أن نطلقها.
لهذا سيبقى ياسر قنصوة حاضرًا فينا؛ في كل كلمة نزنها قبل أن نطلقها، وفي كل موقف نختار فيه الإنصاف، وفي كل مرة نسقط ثم نقرر أن نُعافر من جديد. وأختم بمقطع كان يردده دائمًا، وهو للشاعر محمود درويش، وكأنه يختصر علاقته بالكتابة والمعرفة والحياة:
أنا لستُ مني إن أتيتُ ولم أصلْ
أنا لستُ مني إن نطقتُ ولم أقلْ
أنا من تقول له الحروف الغامضات:
اكتبْ تكنْ
واقرأْ تجدْ

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة