صلاح الجنيدي

كنوز مصر الحقيقية

الأحد، 26 يوليو 2026 07:29 م


هناك أماكن في مصر لا تتصدر عناوين الأخبار... ولا تقف أمام أبوابها عدسات الكاميرات... لكنني على يقين أن خلف أبوابها كنوزًا، لو أحسنَّا اكتشافها، لتغيَّر وجه الاقتصاد المصري.
 اذهبوا إلى المركز القومي للبحوث...
إلى مركز بحوث الصحراء...
إلى مركز البحوث الزراعية...
إلى المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء...
إذهبوا إلى الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية المنتشرة في ربوع مصر...
هناك...
لن تجدوا ذهبًا...
ولا بترولًا...
ولا مناجم معادن...
بل ستجدون ما هو أثمن من ذلك كله...
ستجدون العقل المصري.
العقل الذي أفنى عمره بين المعامل، والأجهزة، والتجارب، والخرائط، والكتب، لا ليحصل على لقب علمي، وإنما ليبتكر حلًا، أو يطور صناعة، أو يستخرج ثروة، أو يفتح بابًا جديدًا للتنمية.》لقد شاءت الظروف أن أجلس مع عدد من هؤلاء العلماء.. وخرجت من كل لقاء وأنا أشعر أنني لم أكن أجلس مع باحثين...
   بل مع مصانع لم تُبنَ بعد...
   ومشروعات لم تولد...
  وثروات تنتظر من يكتشفها...
  واقتصاد كامل يحاول أن يخرج من بين صفحات بحث علمي، ثم يعود في صمت إلى درجٍ مغلق، لأنه لم يجد من يفتح له الباب.
ولم أسمع واحدًا منهم يطلب منصبًا...
ولا جاهًا...
ولا شهرة...
كان كل ما يتمناه أن يجد من يقول له:
"هات فكرتك... فلنجربها."
كم هو مؤلم أن يحمل باحث مشروعًا قادرًا على توفير مليارات الجنيهات للدولة، أو تطوير صناعة كاملة، أو استصلاح آلاف الأفدنة، أو تعظيم الاستفادة من ثروات مصر الطبيعية... ثم تتوقف رحلته، لا لأن فكرته فشلت، بل لأنها لم تجد من يتبناها، أو يمولها، أو يحولها إلى منتج .. أو من ينصت إليه !
 إنني لا أتحدث عن حالات فردية...
بل عن قضية وطن.
ففي جامعات مصر، وفي مراكزها البحثية، ترقد عشرات الآلاف من رسائل الماجستير والدكتوراه، ومئات الآلاف من الأبحاث العلمية.
قد يراها البعض أوراقًا...

 أما أنا فأراها ثروة قومية معطلة.
فكل رسالة تحمل فكرة...
وكل فكرة قد تصبح مشروعًا...
وكل مشروع قد يصبح صناعة...
وكل صناعة قد توفر آلاف فرص العمل، وتضيف مليارات إلى الاقتصاد الوطني.
▪︎▪︎  لكننا كثيرًا ما نغلق الرسالة بعد مناقشتها، ثم نتركها على رفوف المكتبات، وكأن رسالتها قد انتهت، بينما قد تكون هي بداية نهضة جديدة.
لقد انتهى الزمن الذي كانت الثروة فيه تُقاس بما تختزنه الأرض من نفط أو ذهب.
وأصبح معيار قوة الأمم هو قدرتها على تحويل المعرفة إلى اقتصاد، والبحث العلمي إلى صناعة، والعالِم إلى شريك في التنمية.
□□ إن الدول الكبرى لم تتقدم لأنها امتلكت موارد أكثر...
بل لأنها أحسنت استثمار عقول أبنائها.
وفي الوقت الذي ما زالت فيه سيناء، والصحراء الشرقية، والصحراء الغربية، وجنوب مصر، تخفي كنوزًا تنتظر من يكتشفها، فإن كنوزًا أخرى لا تقل قيمة تقف أمام أعيننا كل يوم...
في عقول العلماء...
وفي معامل الباحثين...
وفي رسائل علمية يعلوها الغبار.
إن ثروات الأرض تحتاج إلى عقل يكتشفها...
ويطورها...
ويحسن استغلالها.
وهذا العقل موجود...
بل موجود بكثرة.
ينتظر فقط من يؤمن به.
إن مصر لا تحتاج إلى البحث عن العلماء...
فالعلماء موجودون.
إنها تحتاج فقط إلى أن تذهب إليهم.
تستمع إليهم...
وتحتضن أفكارهم...
وتمنحهم الثقة...
وتحول أبحاثهم إلى مصانع، واختراعاتهم إلى شركات، ورسائلهم العلمية إلى مشروعات قومية.
■■  ولهذا أحلم بمشروع وطني كبير يحمل عنوان:
"من المعمل... إلى المصنع."
مشروع يفتح أبواب المراكز البحثية، ويعيد قراءة رسائل الماجستير والدكتوراه، وينشئ قاعدة بيانات وطنية للأبحاث والاختراعات القابلة للتطبيق، ثم يجمع العلماء مع رجال الصناعة، والمستثمرين، ومؤسسات التمويل، وصناع القرار، حتى تجد كل فكرة طريقها إلى التنفيذ.
لا نريد أن يموت اختراع لأنه احتاج إلى تمويل...
ولا أن يهاجر عقل لأنه فقد الأمل...
ولا أن تبقى فكرة عظيمة حبيسة الأدراج.
》 يا أصحاب القرار...
إذا أردتم أن تكتبوا فصلًا جديدًا في تاريخ التنمية المصرية...
فلا تبدأوا من تحت الأرض...
ابدؤوا بمن هم فوقها.
ابدؤوا بالعالم المصري...
وبالمعمل المصري...
وبالرسالة العلمية المصرية.
فربما كان بين جدران مركز بحثي، أو بين صفحات رسالة دكتوراه، مشروعٌ يغيّر وجه الاقتصاد المصري لعقود.
إن أعظم اكتشاف تنتظره مصر... قد لا يكون منجمًا جديدًا في الصحراء... وإنما عقلًا مصريًا يجد أخيرًا من يؤمن به.
إن الدول لا تبني مستقبلها بما تملكه من موارد فقط...
بل بما تملكه من عقول، وبما تملكه من إرادة لتحويل تلك العقول إلى قوة إنتاج.
فلا تتركوا علماء مصر ينتظرون من يطرق أبوابهم...
بل اطرقوا أنتم أبوابهم...
فخلف كل بابٍ منهم قد يكون مشروع نهضة وطن.
ولنفتش عن كنوز مصر حيث هي حقًا...
في عقول علمائها...
وفي معامل باحثيها...
وفي رسائلها العلمية التي تنتظر من يبعث فيها الحياة.
فإذا نجحنا في اكتشاف هذا الكنز، فلن نضيف إلى مصر ثروة جديدة فحسب... بل سنصنع مستقبلًا جديدًا.

.     صلاح الجنيدي 

رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الأسبق
* مدير عام المشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية سابقًا

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة