ذكرى موقعة صفين.. كيف غيرت معركة 657 مسار التاريخ الإسلامى؟

الأحد، 26 يوليو 2026 11:00 م
ذكرى موقعة صفين.. كيف غيرت معركة 657 مسار التاريخ الإسلامى؟ معركة صفين

أحمد إبراهيم الشريف

تحل فى أواخر يوليو ذكرى واحدة من أكثر الوقائع تأثيرًا فى التاريخ الإسلامى المبكر، وهى موقعة صفين التى جرت فى سنة 37 هجرية، الموافق 657 ميلادية، بين جيش الخليفة على بن أبى طالب وجيش معاوية بن أبى سفيان والى الشام، بالقرب من نهر الفرات. تجاوز أثر المعركة حدود ميدان القتال، إذ انتهت إلى التحكيم، ثم أعقبتها انقسامات سياسية وعسكرية تركت أثرًا طويلًا فى السنوات الأخيرة من عصر الخلافة الراشدة.

وبحسب ما نشرته وزارة الأوقاف المصرية فى دراسة عن موقعة صفين، وما عرضه الباحث مارتن هندز فى دراسة أكاديمية منشورة عبر Cambridge University Press، شهدت صفين سلسلة طويلة من المناوشات والاتصالات بين الطرفين، ثم تجدد القتال بقوة خلال النصف الأول من شهر صفر سنة 37 هـ، أى فى أواخر يوليو ومطلع أغسطس 657، قبل أن يتوقف القتال ويقبل الطرفان مبدأ التحكيم.

كيف وصل على ومعاوية إلى صفين؟

جاءت الموقعة فى سياق الاضطرابات التى أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هـ، وتولى على بن أبى طالب الخلافة. وتمحور الخلاف بين على ومعاوية حول إدارة المرحلة التالية لمقتل عثمان وقضية القصاص من قتلته، إلى جانب الموقف من سلطة الخليفة الجديد. وبعد موقعة الجمل واستقرار على فى الكوفة، استمرت المراسلات مع معاوية من دون التوصل إلى تسوية، فتحرك الجيشان حتى التقيا فى صفين.

ومثلت المواجهة جزءًا من الصراع السياسى والعسكرى المعروف فى الدراسات التاريخية باسم الفتنة الأولى، والذى امتد خلال النصف الثانى من خمسينيات القرن السابع الميلادى، وأعاد تشكيل موازين القوى داخل الدولة الإسلامية المبكرة. وتؤكد الدراسات الأكاديمية وقوع المواجهة الكبرى فى صفين سنة 657 بين على ومعاوية بعد فترة من التصعيد السياسى والعسكرى.

أين تقع صفين؟

تقع صفين بالقرب من نهر الفرات، فى المنطقة الواقعة قرب الرقة الحالية فى سوريا، وكانت طبيعة الموقع شديدة الأهمية للجيشين بسبب الحاجة إلى الوصول إلى المياه وقدرة المنطقة على استيعاب القوات الكبيرة. وتشير الروايات التاريخية إلى أن مسألة السيطرة على موارد المياه ظهرت فى المراحل الأولى من المواجهة، قبل أن يستقر الجيشان فى المنطقة وتبدأ المناوشات والاتصالات بينهما.

وكان جيش على قد تحرك من العراق، بينما جاء جيش معاوية من الشام، لتصبح صفين نقطة المواجهة بين قوتين تمثلان مركزين سياسيين رئيسيين فى ذلك الوقت: الكوفة ودمشق.

شهر محرم يوقف القتال

شهدت صفين مراحل متعددة، ولم تكن المعركة مواجهة واحدة استمرت ساعات أو يومًا واحدًا. وتذكر المصادر أن مناوشات وقعت بين الطرفين، ثم دخل شهر محرم سنة 37 هـ، وهو أحد الأشهر الحرم، فتراجع القتال وجرى تبادل الرسل فى محاولة للوصول إلى اتفاق يوقف المواجهة.

واستمرت الاتصالات خلال هذه الفترة، غير أن الخلاف السياسى ظل قائمًا، فعاد القتال مع دخول شهر صفر. ويشير الباحث مارتن هندز إلى أن النصف الأول من صفر 37 هـ شهد سلسلة من المبارزات والاشتباكات الصغيرة، انتهت إلى تصاعد سريع للمواجهة ودخول أعداد أكبر من القوات فى القتال.

أيام القتال الأكثر ضراوة

تورد وزارة الأوقاف أن القتال تجدد مع بداية صفر واستمر فى صورة مواجهات متتابعة، ثم بلغ ذروته خلال الأيام الأخيرة، عندما اشتبكت القوات بصورة أوسع وأصبحت المعركة أكثر ضراوة. وشهدت هذه المرحلة تحركات مكثفة من قادة الطرفين، كما ازدادت الخسائر البشرية مع استمرار القتال.
ومن أبرز من قتلوا فى صفين الصحابى عمار بن ياسر، الذى كان يقاتل ضمن جيش على بن أبى طالب. وأصبح مقتله واحدًا من أكثر أحداث المعركة حضورًا فى المصادر الإسلامية التى تناولت صفين وتفاصيل أيامها الأخيرة.

رفع المصاحف وظهور فكرة التحكيم

مع وصول القتال إلى مرحلة شديدة الخطورة، ظهرت الدعوة إلى الاحتكام إلى كتاب الله، وترتبط الرواية التاريخية الأشهر برفع المصاحف على أسنة الرماح فى صفوف جيش الشام والدعوة إلى وقف القتال. وأدى ذلك إلى نقاش واسع داخل جيش على حول الاستمرار فى المواجهة أو قبول التحكيم.

وتوضح دراسة Cambridge الخاصة باتفاق التحكيم أن هذه اللحظة جاءت بينما كانت المعركة تتجه نحو تصعيد أكبر، وكانت هناك جماعات داخل تحالف على تفضل وقف القتال، فساعدت الدعوة إلى التحكيم على إيقاف المواجهة العسكرية وفتح مسار سياسى جديد بين الطرفين.

من مثّل الطرفين فى التحكيم؟

اختير أبو موسى الأشعرى ممثلًا عن جانب على بن أبى طالب، بينما اختير عمرو بن العاص ممثلًا عن جانب معاوية، ووضعت وثيقة لتنظيم التحكيم وتحديد الأسس التى سيجرى النقاش بناء عليها.

وجرى الاتفاق على اجتماع الحكمين لاحقًا، بينما غادر على إلى العراق وعاد معاوية إلى الشام. وتختلف الروايات التاريخية فى تفاصيل ما جرى خلال جلسات التحكيم ونتائجها، ولذلك تتعامل الدراسات الحديثة بحذر مع بعض القصص المتأخرة التى شاعت حول الحوار بين أبى موسى وعمرو بن العاص. أما الأمر المؤكد فهو أن التحكيم لم يؤد إلى إنهاء الخلاف السياسى بصورة نهائية.

كيف خرج الخوارج من أزمة صفين؟

من أهم النتائج التى ترتبت على قبول التحكيم ظهور انقسام داخل معسكر على نفسه، إذ رفضت جماعة من رجاله فكرة تحكيم البشر فى النزاع ورفعت شعار «لا حكم إلا لله»، ثم انفصل هؤلاء تدريجيًا عنه وعرفوا فى المصادر باسم المحكمة، قبل أن يصبح اسم «الخوارج» الأكثر شهرة لهم.

وانتقلت الأزمة لاحقًا إلى مواجهة جديدة فى النهروان سنة 38 هـ، عندما قاتل على الجماعة التى خرجت عليه، وهو ما استنزف جزءًا من قوته وأدخل الصراع السياسى فى مرحلة جديدة. وهكذا أنتجت صفين صراعًا آخر داخل المعسكر الذى دخل المعركة موحدًا تحت قيادة على.

لماذا تعد صفين نقطة تحول؟
 

تنبع أهمية صفين التاريخية من النتائج التى جاءت بعدها أكثر مما تنبع من وجود منتصر عسكرى واضح فى أرض المعركة. فقد توقف القتال بالتحكيم، واستمر معاوية فى السيطرة على الشام، بينما واجه على انقسام الخوارج وتداعياته فى العراق، وظل الصراع السياسى قائمًا حتى مقتل على بن أبى طالب سنة 40 هـ/661 م.

وبعد ذلك أصبح معاوية الخليفة، وبدأ عصر الدولة الأموية، لتكون السنوات التى فصلت بين صفين وقيام الدولة الأموية مرحلة أساسية فى الانتقال السياسى الذى شهده العالم الإسلامى خلال القرن الأول الهجرى.

معركة بقيت فى كتب التاريخ لأكثر من 1300 عام

مر نحو 1369 عامًا على الموقعة، ومع ذلك ظلت صفين حاضرة بقوة فى كتب التاريخ والدراسات المتعلقة بالفتنة الأولى؛ فقد جمعت فى أيامها بين شخصيات شكلت جانبًا كبيرًا من تاريخ صدر الإسلام، وأنتجت التحكيم، وساهمت فى ظهور الخوارج، وغيرت مسار الصراع بين العراق والشام.

كما تكشف الدراسات الحديثة استمرار الاهتمام بتفاصيلها؛ فدراسة منشورة عبر Cambridge تناولت اتفاق التحكيم، ودراسة أخرى بحثت الرايات وشعارات القبائل والجماعات المشاركة فى الموقعة بالاعتماد على مخطوطات ومصادر تاريخية مبكرة، بما يؤكد أن صفين ما زالت موضوعًا مفتوحًا للبحث بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة