حسين عبد البصير

جيل يوليو حين صار التعليم طريقًا إلى الخلود

الأحد، 26 يوليو 2026 04:32 م


هناك لحظات فى تاريخ الأمم لا تُقاس بما وقع فيها من أحداث سياسية فقط وإنما بما أحدثته فى حياة الناس العاديين. فالإنسان البسيط هو المقياس الحقيقى لنجاح أى مشروع وطني. ومن هذا المنطلق فإن ثورة الثالث والعشرين من يوليو تبقى واحدة من المحطات الكبرى التى لا يزال أثرها حاضرًا فى ذاكرة ملايين المصريين الذين تغيرت حياتهم لأن أبواب التعليم والعمل والأمل فُتحت أمامهم.

ليس التاريخ مجرد أسماء للرؤساء والقادة ولا مجرد بيانات وخطب وإنما هو أيضًا قصة طفل خرج من بيت صغير فى قرية بعيدة يحمل حقيبة مدرسية لأول مرة. كان هذا الطفل لا يعرف شيئًا عن معنى الثورة ولا عن الصراعات الدولية ولا عن التحولات السياسية لكنه كان يعرف أن بابًا جديدًا قد انفتح أمامه وأن مستقبله لن يكون نسخة من ماضى آبائه. كانت المدرسة بالنسبة إليه بوابة إلى عالم آخر لا تحده حدود القرية ولا ضيق الحياة اليومية.

عندما أتأمل تاريخ مصر الطويل بوصفى عالم آثار أجد أن الحضارة المصرية منذ فجر التاريخ لم تقم على الحجر وحده بل قامت على المعرفة. فالمعابد كانت مدارس والحياة كانت كتابًا مفتوحًا والكاتب كان يحظى بمكانة لا تقل عن مكانة القائد. وكانت أعظم قوة امتلكتها مصر عبر آلاف السنين هى قدرتها على صناعة الإنسان قبل تشييد المباني.

لقد اختلف المؤرخون ولا يزالون يختلفون فى تقييم تجربة ثورة يوليو بين من يركز على إنجازاتها ومن يتوقف أمام ما واجهته من تحديات وإخفاقات. وهذا أمر طبيعى لأن التاريخ لا يُقرأ بلون واحد. لكن الحقيقة التى يصعب إنكارها أن ملايين المصريين وجدوا فرصة للتعليم والارتقاء الاجتماعى لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل. ومن بين هؤلاء خرج أطباء ومهندسون وعلماء وأساتذة جامعات ومبدعون حملوا اسم مصر إلى العالم.

إن الأمم لا تُبنى بالشعارات وإنما ببناء الإنسان. وما أكثر الدول التى امتلكت الثروات الطبيعية ثم تراجعت لأنها لم تستثمر فى العقول. وفى المقابل فإن دولًا فقيرة فى مواردها الطبيعية أصبحت من أعظم القوى الاقتصادية لأنها جعلت المدرسة والمعمل والجامعة أولوياتها الكبرى.

ولهذا فإن السؤال الذى ينبغى أن نطرحه اليوم ليس ماذا فعلت ثورة يوليو بالأمس وإنما ماذا نستطيع نحن أن نفعل لمصر اليوم. فلكل جيل ثورته الخاصة. وإذا كان جيل الخمسينيات قد خاض معركة التحرر الوطنى فإن جيل القرن الحادى والعشرين يخوض معركة العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والابتكار. وهذه معركة لا تقل أهمية عن أى معركة عسكرية لأنها تحدد مكانة الأمم فى المستقبل.

إن الاحتفاء بذكرى يوليو لا ينبغى أن يكون مجرد استعادة للماضى بل مناسبة للتأمل فى المستقبل. فالأوطان لا تعيش على الذكريات وحدها وإنما تعيش بما ينجزه أبناؤها كل يوم. وإذا أردنا أن نكرم الأجيال التى حلمت بمصر قوية وعادلة فعلينا أن نجعل التعليم مرة أخرى مشروعًا وطنيًا تتكاتف من أجله الدولة والمجتمع والأسرة.

إن الطفل الذى يدخل المدرسة اليوم قد يكون عالم الغد أو الطبيب الذى ينقذ الأرواح أو المهندس الذى يبنى المدن أو الكاتب الذى يضيء العقول. وكل كتاب يقرؤه وكل معلم يلهمه وكل فرصة يحصل عليها هى استثمار فى مستقبل الوطن كله.

إن مصر التى صنعت الأهرامات وابتكرت الكتابة وشيدت واحدة من أقدم الحضارات فى التاريخ قادرة دائمًا على أن تصنع مستقبلها حين تؤمن بأن الإنسان هو أعظم ثرواتها. فالحجر يبقى شاهدًا على الماضى أما الإنسان المتعلم فهو الذى يصنع المستقبل ويمنح الوطن حياة تتجدد مع كل جيل.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة