في 26 يوليو 1309 اعترف البابا كليمنت الخامس بـهنري السابع ملكًا للرومان، في خطوة جاءت خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ أوروبا، إذ تزامنت مع انتقال مقر البابوية إلى مدينة أفينيون الفرنسية، وبداية ما عُرف تاريخيًا باسم بابوية أفينيون.
بداية عصر بابوية أفينيون
يمثل عام 1309 بداية مرحلة استمرت حتى عام 1377، أقام خلالها بابوات الكنيسة الكاثوليكية في مدينة أفينيون بدلًا من روما، وهي الفترة التي عُرفت باسم بابوية أفينيون.
وجاء هذا الانتقال في ظل النفوذ المتزايد للملك الفرنسي فيليب الرابع، الذي خاض صراعًا طويلًا مع البابوية، ما دفع البابا كليمنت الخامس إلى اتخاذ أفينيون مقرًا لإقامته وإدارة شؤون الكنيسة.
ورغم أن جميع بابوات هذه المرحلة كانوا فرنسيين، يرى عدد من المؤرخين أن البابوية احتفظت بدرجة من الاستقلال في قراراتها، وشهدت تلك الفترة إصلاحات إدارية واسعة داخل الكنيسة، إلى جانب دعم التعليم الجامعي وتوسيع النشاط التبشيري.
من هو هنري السابع؟
كان هنري السابع من أسرة لوكسمبورغ، وانتُخب ملكًا للرومان عام 1308، وهو اللقب الذي كان يحمله الحاكم المنتخب للإمبراطورية الرومانية المقدسة قبل تتويجه إمبراطورًا.
وجاء اعتراف البابا كليمنت الخامس به تتويجًا لهذا الانتخاب، إلا أن العلاقة بين الطرفين لم تستمر على الوتيرة نفسها.
تحول في الموقف البابوي
في السنوات التالية، تغير موقف كليمنت الخامس تدريجيًا، خاصة بعد انعقاد مجمع فيين وتزايد الضغوط الفرنسية الداعمة لـروبرت ملك نابولي، الذي كان حليفًا للبابوية ومنافسًا لنفوذ الإمبراطورية في إيطاليا.
وعندما استعد هنري السابع لشن حملة عسكرية ضد روبرت، هدده البابا بالحرمان الكنسي، قبل أن يتوفى هنري بالحمى في أغسطس 1313، لتنتهي بذلك محاولته لإعادة بسط نفوذ الإمبراطورية في إيطاليا.
كليمنت الخامس وفرسان الهيكل
ارتبط عهد كليمنت الخامس أيضًا بقضية فرسان الهيكل، إذ تعرضت هذه الجماعة العسكرية والدينية لضغوط شديدة من الملك فيليب الرابع، الذي اتهمها بالهرطقة وسعى إلى حلها.
وبعد انعقاد مجمع فيين، وافق البابا على حل التنظيم، في قرار ظل من أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.
إصلاحات إدارية داخل الكنيسة
شهدت فترة كليمنت الخامس إعادة تنظيم واسعة للإدارة البابوية، إذ توسعت صلاحيات الديوان البابوي، وأُعيد تنظيم المناصب الكنسية وآليات تعيينها، كما وُضعت أسس لنظام مالي وإداري استمر العمل به خلال العقود التالية.
كما أسهم انتقال مقر البابوية إلى أفينيون في إنشاء إدارة مركزية أكثر استقرارًا، وإن كان ذلك على حساب مكانة روما التقليدية باعتبارها مقرًا للكرسي الرسولي.
مرحلة مهدت للانشقاق الغربي
استمرت بابوية أفينيون حتى عام 1377، عندما عاد البابا غريغوري الحادي عشر إلى روما، لكن وفاته بعد ذلك بفترة قصيرة أدت إلى اندلاع الانشقاق الغربي العظيم، إذ أصبح للكنيسة أكثر من بابا في الوقت نفسه، واستمر هذا الانقسام حتى عام 1417.