خالد دومة يكتب: جبران الأديب الفنان

السبت، 25 يوليو 2026 03:52 ص
خالد دومة يكتب: جبران الأديب الفنان خالد دومة

"إذا أومأ إليكم الحب فاتبعوه... وإن كانت مسالكه صعبة ومنحدرة".
 

...

"وقاتل الجسم مقتول بفعلته ... وقاتل الروح لا يدري به البشر".

...

"والحب في الناس أشكال وأكثرها ... كالعشب في الحقل لا زهر ولا ثمر".

 

...
يعيش الإنسان وهو يحمل في عقله وقلبه تلك الانطباعات الأولى التي تقع عليها عيناه، فترسم في مخيلته عالمه الخاص. فإذا كان أديبًا أو فنانًا، شكّلت هذه الانطباعات وعيًا مميزًا، وغرست البذور الأولى في تكوين شخصيته ونشأته.
يقضي الإنسان سنوات صباه في بلاده، ثم يرحل عنها حاملًا بين جوانحه زادًا من الذكريات، لينتقل إلى عالم آخر قد لا يمت إلى عالمه الأول بصلة. والبون شاسع بين العالمين؛ في المسافة، وطريقة المعيشة، والعادات، والتقاليد، والمعتقدات. فإذا اجتمعت هذه المتناقضات في نفس واحدة، فقد تزلزل ما استقر فيها من أفكار ومفاهيم، فتقودها إلى الاغتراب أو الضيق، وربما إلى الانحراف. غير أن بعض النفوس العظيمة تستطيع أن تمزج بين العالمين، فتخرج إلى الناس رؤية جديدة تؤمن بالإنسان، بعيدة عن الأنانية والتعصب، حيث يمتزج الأدب بالفن، والفكر بالتصوف، ليصبح الحب طريق الخلاص الوحيد.
ولد جبران خليل جبران, بين الجبال الشامخة وحقول الأرز. رأى العالم من قمم جبال لبنان، ونظر إلى الأفق فرآه فضاءً لا نهاية له، ثم نظر إلى الأرض فإذا هي جنة بأشجارها المترامية وأرزها الأبيض الذي يعكس ما فيها من نقاء وجمال. تسلقت قدماه الصغيرتان الصخور، وامتلأت نفسه بالحركة والحرية والأمل. وسرت في دمه نسمات الشرق، فتعلّم حروف الهجاء وكلمات الحب، وانطبعت في روحه صور الطبيعة وسحرها، وارتبطت في وجدانه بأيام طفولته الأولى.
ثم انتقل إلى الغرب، فاستقبلته رياح الحرية وآفاق الثقافة الإنسانية الرحبة. امتلأ عقله وقلبه بثقافتين مختلفتين، واستوعب معانيهما، حتى نبت منه عقل مستنير وقلب واسع يتسع لحب الإنسانية جمعاء. فوقف موقف الأنبياء والمصلحين، ونادى بصوته وريشته وقلمه، داعيًا إلى الحكمة، والحرية، والمحبة، والإخاء بين البشر.
ورغم أن الموت وجّه إليه طعنات متتالية في فترة قصيرة، بوفاة أخته وأخيه وأمه، فإنه لم يفقد إيمانه بالإنسان ولا بالحياة. ظل يؤمن بالحب إيمانًا متدفقًا، لا يفرق بين رأس ورأس، ولا بين لون ولون، ولا يعترف بحدود تفصل بين إنسان وآخر أو بين أرض وأخرى. عاش يخط بقلمه آيات الحكمة، ويمنح بريشته معاني ورموزًا ودلالات تدعو الإنسان إلى التحرر من أوهام العصبية والتقليد الأعمى، ويوجه أنظاره إلى القلب؛ لأنه النور الذي يبصر به الإنسان طريق.
ولقي من الحياة ما لقيه المبشرون والمصلحون من أقوامهم؛ فقد أصابته في صميم قلبه، وجعلت الألم منهجًا لحياته، وخطًا لم يحِد عنه. وكلما أفاق على شيء من السلوى، عاجلته الحياة بطعنة جديدة تهوي بمطارقها على رأسه وروحه. فعاش الألم قبل أن يكتبه في كتبه وقصائده، حتى كأن حياته نفسها كانت صناعة من الألم، صاغتها الجراح المتكررة حتى أدمت كل ما فيه.
ومع ذلك، لم يكفر بالحياة ولا بالإنسان، بل ازداد إيمانه عمقًا، وأخذ يدعو إلى ترابط الإنسانية وسعيها نحو الوجود الأسمى. لقد صقل الألم روحه، وجعلها أكثر شفافية وروحانية، وسكنت قلبه عاطفة جياشة، حتى غدت نفسه شعلة تحترق لتمنح الآخرين نورًا يهدي التائهين، وينتشل الغارقين في أوحال التعصب والطمع التي صنعها أشرار النفوس ليستعبدوا البشر ويتمتعوا بظل زائل.
فهل مات جبران حقًا بمرض السل وتليف الكبد؟ أم أن الآلام المتراكمة هي التي أذابته قطرةً قطرة، حتى انطفأ سراجه بعدما أحرق نفسه ليضيء معالم الطريق للتائهين؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة