من زفة إلى جنازة.. حكاية عريس الجنة أسامة أبو تيم داخل غزة.. بين زغاريد الجمعة ودموع الأحد.. أحلام الشاب الفلسطينى تتحول إلى قصة تختصر مأساة القطاع فى يومين.. وأحباؤه جاؤوا يباركون زواجه فعادوا يشيعون جنازته

الجمعة، 24 يوليو 2026 10:00 ص
من زفة إلى جنازة.. حكاية عريس الجنة أسامة أبو تيم داخل غزة.. بين زغاريد الجمعة ودموع الأحد.. أحلام الشاب الفلسطينى تتحول إلى قصة تختصر مأساة القطاع فى يومين.. وأحباؤه جاؤوا يباركون زواجه فعادوا يشيعون جنازته أسامة أبو تيم

كتب أحمد عرفة

كانت ليلة الجمعة 17 يوليو مختلفة في بيت عائلة أسامة أبو تيم داخل غزة، الأضواء تملأ المكان، والأقارب والأصدقاء يتوافدون لمشاركته واحدة من أجمل محطات العمر، الزغاريد ترتفع، والابتسامات تتسع، والدعوات الصادقة ترافق ذلك الشاب الذي ارتدى ثياب العرس، وهو يحمل في قلبه أحلاما بسيطة تشبه أحلام آلاف الشباب، بيت يملؤه الدفء، وأسرة صغيرة، وأيام يكتبها مع شريكة حياته خطوة بخطوة.

في تلك الليلة، لم يكن أحد يفكر في الفراق، كانت الأنظار تتجه نحو المستقبل، نحو الأيام التي ستأتي بعد انتهاء مراسم الزفاف، وحول تفاصيل الحياة الجديدة التي بدأت للتو، كان الجميع يتحدث عن البداية، ولم يكن في الأفق ما يوحي بأن النهاية ستكون على بعد يومين فقط من هذا اليوم السعيد، لكن الحياة كثيرا ما تكتب فصولها على نحو لا يشبه ما يرسمه البشر.

أسامة أبو تيم
أسامة أبو تيم

 

من زفة إلى جنازة

يوم الجمعة الماضي، كان أسامة أبو تيم يرتدي ثياب الفرح، يحلم ببيت دافئ، ويخطو أولى خطواته مع شريكة حياته، بينما كانت الابتسامة تملأ وجوه من أحبوه، لكن لم تمهله الأيام طويلا، ففي يوم الأحد 19 يوليو، تحولت زغاريد الفرح إلى بكاء مرير، واستبدلت ثياب العرس بكفن أبيض، وتحول موكب الزفاف إلى موكب وداع.

وجع كبير شعرت به عائلة هذا الشاب، بعد أن سرق الاحتلال حلمه قبل أن يبدأ، قهر جعل العريس يُحمل على الأكتاف بعد أيام قليلة من حمله بين التهاني والدعوات، رحل أسامة، وبقيت قصة تختصر قسوة الفقد، وتُذكر بأن أحلاما كثيرة تُدفن قبل أن ترى النور.

 

إحصائيات مرعبة

وبحسب إحصائيات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومى بغزة في 2 يوليو الماضي، أكد أن الاحتلال يواصل إلقاء حمم الحقد على القطاع، حيث أسقط أكثر من 223,000 طن من المتفجرات على رؤوس المدنيين، ليخلف وراءه حصيلة مفجعة بلغت أكثر من 73,066 شهيدا وصلوا إلى المستشفيات، و9,500 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض وفي الطرقات.

وأضاف أن الاحتلال يمنع الطواقم الإنسانية من الوصول إلى لجثث، وكان الأطفال والنساء الهدف الأبرز لهذه المذبحة، حيث ارتقى أكثر من 21,500 طفل شهيد، و12,500 شهيدة، فيما سجل التاريخ واحدة من أبشع الجرائم بمسح 2,700 أسرة فلسطينية بالكامل من السجل المدني.

 

تبدل ملامح البيت السعيد

ليست كل القصص تروى بالأرقام أو التواريخ، فبعضها تختصر في صورة أو اثنين فقط، صورة لعريس يبتسم وسط المهنئين، وصورة أخرى لجموعٍ تسير خلف نعشه في صمت ثقيل، بين الصورتين يومان فقط، لكنهما كانا كفيلين بأن يختصرا حكاية كاملة عن الفرح الذي لم يكتمل، وعن الأحلام التي توقفت قبل أن تبدأ رحلتها.

أصعب ما في هذه القصة أنها لا تتحدث عن سنوات مضت، ولا عن ذكريات بعيدة، بل عن مستقبل كان لا يزال في بدايته، منزل ربما لم تُرتب زواياه بعد، وأحاديثٌ مؤجلة بين زوجين في أول أيام حياتهما، وأمنيات صغيرة كان من المفترض أن تتحول إلى تفاصيل يومية، لكنها بقيت معلقة في الذاكرة.

وأكد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة خلال بيان في 19 يوليو – يوم استشهاد أسامة أبو تيم – أن الاحتلال ارتكب 3795 خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار، تسبب في سقوط 1168 شهيدا نتيجة خروقات الاحتلال وانتهاكاته المتواصلة، بجانب 3734 مصابا جراء و149 معتقلا.

كان من المنتظر أن يستيقظ العروسان على أيامهما الأولى وهما يستقبلا المهنئين، ويخططا للأيام المقبلة، لكن المشهد تبدل سريعا، فبدلا من استقبال التبريكات، وجدت الأسرة نفسها تستقبل المعزين، وبدلا من عبارات الدعاء بالسعادة، علت كلمات المواساة والدعاء بالرحمة.

تبدلت ملامح البيت في وقت قياسي، المكان الذي احتضن الفرح قبل ساعات، احتضن الحزن بعد ذلك بقليل، الأصوات التي كانت تردد الأغاني والزغاريد، حل محلها الصمت ودموع الفراق، وحتى المقاعد التي جلس عليها المهنئون، جلس عليها المعزون وهم يحاولون إيجاد كلمات تخفف من مصاب يصعب وصفه.

ولعل أكثر ما يترك أثرا في هذه الحكاية أن الزمن لم يمنح أسامة فرصة ليعيش تفاصيل حياته الجديدة، لم تُتح للأحلام فرصة أن تكبر، ولم تتحول الأمنيات إلى ذكريات، بل بقيت مجرد بدايات توقفت قبل أن تكتمل، ورغم قصر هذه الرحلة، فإن قصة أسامة أبو تيم تجاوزت حدود عائلته، لتلامس قلوب كثيرين، حيث رأى فيها أهالى القطاع صورة مكثفة لهشاشة الحياة، وكيف يمكن أن تتبدل الأحوال في لحظات، ويتحول الفرح إلى حزن، وتصبح الصور التي التُقطت للاحتفال آخر ما يحتفظ به الأحبة من ذكرى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة