رامى محيى الدين

جدتي أكثر من 8 عقود من الصبر

الجمعة، 24 يوليو 2026 12:33 ص


عاشت جدتي أكثر من ثمانين عامًا، لم تكن سنواتها مجرد عمر امتد فى الزمن، بل كانت رحلة طويلة من الصبر والرضا والإيمان. وكأن الله اختار لها أن تواجه الابتلاءات واحدًا تلو الآخر، لتثبت فى كل مرة أن القلوب المؤمنة تستطيع أن تتحمل ما تعجز عنه الجبال.

كان أول ابتلاءاتها أن فقدت بصرها، فعاشت سنوات طويلة لا ترى الدنيا بعينيها، لكنها كانت تراها بقلبها. لم تستسلم لظلام العين، بل ظلت تبصر بنور الإيمان، وتحمد الله على كل حال، وتمنح من حولها الطمأنينة رغم ما تحمله من ألم.

ثم جاءها الفقد الثانى برحيل زوجها، رفيق العمر وشريك رحلة الحياة، لتجد نفسها تكمل الطريق وحدها، تحمل مسؤولياتها بصمت، وتواجه الوحدة بقلب راضٍ، دون أن يعرف اليأس طريقًا إليها.

ولم يكن ذلك آخر الابتلاءات، فقد شاء الله أن يسبقها إلى الدار الآخرة ابنها الأكبر، وهو المصاب الذى لا يكاد يحتمله قلب أم. لكنه، كما كان شأنها دائمًا، قابلته بالصبر والاحتساب، مؤمنة بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن اللقاء مؤجل فى دار لا فراق فيها.

ورغم كل ما مرت به، لم يعرف من عاشرها منها إلا وجهًا بشوشًا، ودعاءً لا ينقطع، وقلبًا واسعًا يتسع للجميع. كانت ترى أن الحياة تمضى بالإيمان، وأن الإنسان يترك أثره بما يزرعه من محبة فى قلوب الناس، لا بما يملكه من متاع الدنيا.

رحلت جدتي، لكنها تركت وراءها إرثًا من الصبر، ومدرسة فى الرضا، وسيرةً ستظل حاضرة فى قلوب أبنائها وأحفادها. رحمكِ الله يا جدتي، وجعل كل ما تحملتِه فى ميزان حسناتك، وأكرم نزلك، وجمعنا بكِ فى جنات النعيم، حيث لا وجع ولا فراق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة