تكمل ثورة 23 يوليو 75 عاما فى العام المقبل، وبالرغم من مرور كل هذه السنوات تظل الثورة حاضرة بأفكارها ومشروعاتها، خاصة فكرتا العدالة الاجتماعية، والسعى لبناء نظام يتيح تكافؤ الفرص لكل أبناء الشعب، وتأتى الذكرى سنويا وسط جدل لا ينتهى، وهو جدل ليس الهدف منه التوصل إلى مواقف واستنتاجات، لكنه جدل ألتراس كرة القدم، حيث يسعى بعض الأطراف لانتزاع أى ميزة عن فترة عبدالناصر أو السادات، بينما يسعى مؤيدون لإسباغ القداسة على كل طرف، بينما الواقع أننا بصدد بشر اجتهدوا وأصابوا وأخطأوا، ولكل منهم تجربته التى يمكن التعلم منها، لكن لا يمكن تكرارها أو محاكمتها بمفاهيم وموازين العصر، فلكل زمان رجاله وظروفه.
ويذكر لثورة يوليو فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، أنها سعت لتحقيق مطالب النخب المصرية، وتحقيق مطالب فى العدالة وتكافؤ الفرص وتوسيع فرص المصريين للتعليم والترقى، فقد تم السعى لتنمية مستقلة تنقل مصر من مجرد بلد زراعى بائس، إلى بلد صناعى، وتم بناء قاعدة صناعية حققت حلم طلعت حرب، «أبو الاقتصاد المصرى فى التمصير»، وقد تعرض طلعت حرب لمؤامرات أنهت تجربته التى سعى بها لوضع أسس الصناعة المصرية فى المحلة الكبرى، ومصر للطيران، ومصر للسينما، من خلال قاعدة بنك مصر، وجاءت الثورة لتضع قاعدة لصناعة استمرت عقودا، وواجهت تحديات وبقيت فى ظروف مختلفة، وتم إقرار الإصلاح الزراعى ضمن أول خطوات يوليو ليمنح ملايين الأسر مساحات من أراض كانت أبعديات وزعها محمد على وأولاده على حواشيهم، ثم تم تطوير حياة المصريين بالتعليم وتوسيع الطبقة الوسطى، التى يقوم عليها التحديث والتنمية وبها تنهض الأمم.
يبقى أثر ثورة يوليو قويا وتأثيراتها تتجاوز حدود مصر إلى آفاق واسعة بأفريقيا وآسيا، خاصة الدول العربية التى ارتبط مواطنوها بمصر، وتعلقوا بشخص وصورة جمال عبدالناصر، وأيا كان موقف الشخص من ناصر، يبقى الرجل ذا وجود طاغ محفور فى أعناق كثيرين.
ثورة 23 يوليو جاءت استجابة لعدد من الأفكار والمطالب التى كانت مطروحة قبل قيامها، وفى مقدمتها الإصلاح الزراعى والعدالة الاجتماعية والتحديث والتصنيع وتوسيع قاعدة التعليم، فى ظروف تختلف كثيرا من حيث عدد السكان والظروف الاجتماعية والاقتصادية عن مصر الحالية، حيث كان المجتمع المصرى قبل الثورة يعانى تفاوتا طبقيا كبيرا، حركة الضباط الأحرار بالجيش المصرى، كانت التيار الأكثر قدرة على جمع مختلف الاتجاهات، واستفادت الثورة من أفكار نخب سبقتها، مثل الدعوة إلى التعليم المجانى والعدالة الاجتماعية والتصنيع والتحديث، ولهذا فإن تقييم مشروعات ثورة 23 يوليو، يجب أن يتم وفقا لظروف عصرها، وعلى سبيل المثال فإن السد العالى، لا يزال يمثل أحد أعظم الإنجازات الاستراتيجية فقد منح مصر القدرة على الصمود بمواجهة الجفاف والفيضانات والتحديات المناخية.
وضعت «يوليو» مبادئ السياسة الخارجية والاستقلال الوطنى، وتم تشكيل حركة عدم الانحياز من مصر والهند وإندونيسيا ويوجوسلافيا، والآن تم تطوير الفكرة لتكون سياسة مفتحة قائمة على الردع والسلام والتوازن الدقيق، وعلاقات مع مختلف الأطراف، مع الحفاظ على قرارها المستقل وامتلاك جيش وطنى قوى رشيد، حيث إن مفهوم عدم الانحياز تغير مع تغير النظام الدولى وظهور قوى جديدة.
وتجاوز تأثير ثورة 23 يوليو حدود مصر، وأصبحت القاهرة مركزا داعما لحركات التحرر الأفريقية، ولا يزال اسم جمال عبدالناصر حاضرا فى العديد من الدول الأفريقية، وقد أعاد الرئيس عبدالفتاح السيسى بناء وتقوية الدائرة الأفريقية، حيث تنظر مصر لنفسها باعتبارها دولة عربية وأفريقية ومتوسطية، وتسعى إلى تعزيز التعاون مع دول القارة من خلال نقل الخبرات ودعم مشروعات التنمية.
ولهذا، فإن كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى بمناسبة الذكرى 74 لثورة 23 يوليو حملت دلالات مهمة، أبرزها الربط بين الماضى والحاضر، والتأكيد على استمرار المبادئ التى قامت عليها الثورة بما يتوافق مع متطلبات العصر والتحديات الراهنة، وأن ما حققته ثورة يوليو فى مجالات التصنيع والتعليم والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية كلها أفكار تحتاج إلى الاستمرارية بطريقة مختلفة وسياقات تناسب تحولات العصر.
الرئيس السيسى أشار الى المشروعات والمبادرات القومية، وفى مقدمتها مبادرة «حياة كريمة»، التى تستهدف تطوير الريف المصرى وتحسين جودة الحياة للمواطنين، إلى جانب جهود الدولة فى مجالات التعليم والصحة والإسكان وتطوير البنية التحتية، وتطرق الى التحديات التى تواجه الدولة فى ظل المتغيرات العالمية، ومنها التضخم والأزمات الاقتصادية والإرهاب والتهديدات التى تستهدف الدول الوطنية، مؤكدا أن قضايا الاستقلال الوطنى وتوطين الصناعة وتحقيق الاكتفاء الذاتى ما زالت تمثل ركائز أساسية فى مسيرة التنمية.

ثورة 23 يوليو.. العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص