أحمد يحيى

قراءة في فاعليات مؤتمر الإعلام السنوي الأول

الخميس، 23 يوليو 2026 06:30 م


دعوة رئيس الجمهورية لعقد مؤتمر سنوي للإعلام في ديسمبر المقبل تتجاوز فكرة التنظيم الدوري لفعالية مهنية تُضاف إلى الأجندة الرسمية. المغزى الحقيقي هنا يكمن في تحول الرؤية الموجهة لإدارة الفضاء العام؛ فالدول لا تحمي استقرارها بالمؤسسات القضائية والتشريعية وحدها، بل بقدرتها على صياغة روايتها الوطنية ونشرها بإقناع في عالم لا يتوقف عن ضخ الشائعات.

العالم اليوم يخوض سباقاً شرساً حول ما يُعرف بـ "اقتصاد الانتباه". المفهوم لم يعد تنظيراً أكاديمياً، بل واقعاً تطبقه شبكات التكنولوجيا التي تتنافس على كسب ثوانٍ معدودة من تفكير المتابعين. في هذا الصراع، لم تعد قوة الدولة تقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية أو قدراتها العسكرية، بل تزداد أهمية قدرتها على إيصال صوتها وتفسير قراراتها للداخل والخارج بوضوح ودون إبطاء.

كيف يُدار هذا المشهد في الأوقات الحساسة؟ تستطيع الشائعة المفبركة عبر تطبيق هاتف أن تحدث بلبلة في أسواق المال أو تزرع التشكيك في مشروع تنموي خلال دقائق. هنا يظهر الإعلام كأحد خطوط الدفاع الرئيسية عن الاستقرار مجتمعي. الخطورة تتزايد مع أدوات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، حيث يتطلب الأمر استجابة سريعة ودقيقة تعتمد على إتاحة البيانات فوراً بدلاً من ترك الفراغ للمضاربين بالمعلومات.

هذا يضع مؤتمر ديسمبر أمام أسئلة بصرية ومباشرة: هل نكتفي بإعلام يمارس رد الفعل بعد انتشار الخبر الكاذب، أم نريد إعلاماً يبادر بتوجيه النقاش؟ هل يخاطب الشارع المحلي بأسلوب تقليدي، أم يمتلك أدوات ولغات يخاطب بها دوائر القرار والصحافة العالمية؟

الإجابة تتطلب التعامل مع الإعلام كصناعة متكاملة لها أصول واشتراطات، وليست مجرد تغطية إخبارية يومية. هذه الصناعة تقوم على أربعة عناصر لا تنفصل: العنصر البشري المدرب، التكنولوجيا الحديثة، المحتوى الجذاب، ثم البحث الإحصائي الميداني.

يمكن للمؤتمر أن يخرج بنتائج عملية إذا ركز نقاشه على قضايا واضحة:

أولاً: تحديد أهداف ممتدة. غياب الخطة طويلة المدى يجعل الرسالة الإعلامية مضطربة وتتغير بتغير الأشخاص. المطلوب تحديد الأولويات الوطنية، وتوضيح طبيعة الرسالة الموجهة لكل فئة من الجمهور، ووضع أدوات قياس حقيقية لمعرفة مدى وصول هذه الرسالة وتأثيرها.

ثانياً: التعامل العقلاني مع الذكاء الاصطناعي. الهدف ليس استبدال المحرر بالبرامج الرقمية، بل تزويد غرف الأخبار ببرمجيات التحقق الرقمي وكشف الفيديوهات المزيفة.

ثالثاً: سرعة إتاحة المعلومات. الثقة هي الرصيد الفعلي لأي مؤسسة صحفية أو إعلامية. الصراحة والسرعة عند وقوع الأزمات يقطعان الطريق على الشائعات. التأخر في توضيح الحقائق يمنح الروايات الكاذبة مساحة للتمدد على حساب الوسائل الوطنية.

رابعاً: استيعاب لغة الجيل الجديد. الجمهور الشاب انصرف اهتمامه إلى حد كبير عن متابعة شاشات التلفزيون المباشرة أو الصحف الورقية لصالح المقاطع القصيرة والبودكاست. إعادة بناء الكوادر الإعلامية تتطلب الجمع بين الفهم السياسي العميق والقدرة على استخدام هذه الأدوات الرقمية بمرونة.

خامساً: حضور إقليمي ودولي فعال. القوة الناعمة تجسدها القدرة على تقديم الثقافة والهوية والإنجازات الوطنية في قالب درامي أو وثائقي جذاب.

إن إصلاح هذه المنظومة يتطلب نظرة شاملة تشمل جميع مكوناتها. المؤسسات الصحفية القومية بأرشيفها وكوادرها هي العصب التحليلي والتوثيقي، بينما تمثل الهيئة الوطنية للإعلام والقنوات الرسمية حائط الصد الشعبي في مختلف المحافظات. وفي الوقت نفسه، توفر الصحافة والإعلام الخاص والشركات الرقمية المرونة والسرعة والقدرة على جذب الاستثمارات المبتكرة. هذا التكامل بين الرسمي والخاص هو السبيل للوصول إلى جمهور متنوع.

إذا أردنا تجنب اللقاءات التي تنتهي بانتهاء جلساتها، ينبغي أن يتوج مؤتمر ديسمبر بمخرجات واضحة.

أول هذه المخرجات إطلاق "وثيقة مصر للإعلام 2030" لتكون إطاراً توجيهياً يحدد رؤية الإعلام القومي والخاص وأهدافه. والثاني هو الإعلان عن إنشاء مرصد وطني لقياس اتجاهات الرأي العام يتأسس على تحليل البيانات الضخمة، ليساعد صانع القرار والقائمين على الإعلام في التحرك بناءً على مؤشرات واقعية وليس انطباعات شخصية.

مصر امتلكت عبر تاريخها إحدى أهم المدارس الإعلامية في المنطقة. القدرة على استعادة هذا الدور متوفرة بما تملكه الدولة من خبرات ومؤسسات، بشرط الاعتماد على التطوير المستمر والقراءة الصحيحة للتحولات الرقمية.

الدول التي تفرط في سرد قصتها بنفسها، تترك الفرصة للآخرين ليكتبوها عنها. مؤتمر ديسمبر يمثل فرصة حقيقية للانتقال من مجرد متابعة الأحداث إلى المشاركة في توجيهها بصوت واثق وإعلام يخاطب العقل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة