دائمًا ما كنت أراها في الصباح الباكر، وأنا في طريقي إلى العمل. كانت تمد يدها إلى العابرين، تلتمس منهم قروشًا تسد بها جوعها وجوع طفلها الصغير الجالس إلى جوارها.
لم تبرح مكانها يومًا. في الشتاء، وسط البرد القارس، وفي الصيف، تحت لهيب الشمس، كانت تجلس في الموضع نفسه، تخشى إن فارقته أن يصيبها مكروه، أو يقل ما تجمعه طوال النهار من قروش قليلة.
مضت سنوات، وتغير كل شيء من حولها، إلا هي.
كبر طفلها، وصار كل صباح يصطحبها إلى مكانها المعتاد، ويتركها هناك، ثم يعود إليها في المساء ليأخذها إلى البيت. كان يجمع ما حصلت عليه، ويضعه بين يديها، رغم أنه لم يعد في حاجة إليه.
وكلما حاول أن يمنعها من الخروج، أو أن يثنيها عن مد يدها للناس، بكت، ودعت عليه، حتى يخشى أن يقسو عليها، فيعود ويصطحبها إلى مكانها من جديد.
كان الناس يلومونه قائلين:
كيف تترك أمك تمد يدها وهي في هذا العمر؟ وأنت تعمل، وقادر على الإنفاق عليها
وكانت كلماتهم تنهش قلبه.
كلما ضاق بها صدره، منعها أيامًا، لكنها كانت تبكي بكاء الأطفال إذا حُرموا من شيء ألفوه، وتصرخ في وجهه حتى يرضخ لرغبتها.
لم يكن يدري ماذا يفعل.
كان يوفر لها كل ما تحتاج إليه، فلا ينقصها شيء، لكنها لم تستطع أن تتخلى عن حياتها القديمة. لم تعد تذهب إلى ذلك المكان طلبًا للقروش وحدها، بل لأنه أصبح عالمها الذي تألفه؛ تعرف وجوه المارة، وضجيج السوق، ومواعيد النهار. صار الرصيف وطنًا صغيرًا، تخشى أن تفقده أكثر مما تخشى الفقر.
وحين تقدم لخطبة فتاة، كانت تنصرف عنه بعد أن تعرف قصة أمه. كانوا يرون أنه قصر في حقها، وأن الواجب عليه أن يمنعها من التسول، وأن يريحها بعد العمر الذي أفنته في تربيته.
أما هو، فلم يكن يعرف كيف يريحها دون أن يكسر قلبها.
أيهجرها؟ أم يتركها لما اعتادته؟
كانت ذاكرتها قد توقفت عند ذلك المكان. لم تعد تعرف من الدنيا إلا بيتها في المساء، وهذا الرصيف في النهار، والسوق الذي تشتري منه حاجاتها.
ضعف بصرها، وارتجفت يداها، وأصبحت قدماها لا تحملانها إلا بصعوبة، لكنها كانت لا تزال تجلس على الكرتونة نفسها، تمد يدها كما اعتادت منذ سنوات طويلة.
وفي أحد الأيام، عاد ابنها من عمله كعادته ليصطحبها إلى البيت.
رأى الناس قد تجمعوا حولها.
منهم من يردد: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ومنهم من يدعو لها بالرحمة.
شق الصفوف حتى وصل إليه.
كانت قد ماتت.
ماتت وهي جالسة في مكانها، على فرشتها الصغيرة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
خُيِّل إليه أنها كانت تخشى أن تموت في بيتها، بعيدًا عن ذلك المكان الذي عاشت فيه عمرًا طويلًا، أو أن ترحل وهو غائب فلا يشعر بها.
ربما كان ذلك مجرد وهم منه...
لكنه حين نظر إلى وجهها، رأى ابتسامة هادئة تستقر عليه، كأنها رحلت مطمئنة، راضية.
احتضنها، وقبّل يدها، وجلس إلى جوارها يبكي، وقرأ ما تيسر من القرآن.
وفي صباح اليوم التالي، خرجت جنازتها من الموضع نفسه الذي جلست فيه سنوات طويلة.
لأول مرة غادرت المكان...
ولم تعد إليه.