حازم حسين

نوايا قديمة وأفعال مُحدثة

الإثنين، 20 يوليو 2026 02:00 م


لا يمكن أن تسير بلا توقف نحو الفخ من دون أن تسقط فيه. وليس من الحكمة أن تراه وتمضى، ولا من الشجاعة أن تتردّى فيه مع القدرة على تخطّيه، وليس من الإنسانية والعقل معا أن تجرّ الآخرين لحافة الهاوية وما بعدها!

إيران اليوم جزء من المشكلة، ولن تكون شريكا فى الحل من دون الاعتراف بأخطائها، والاعتذار عنها لجيرانها وضحاياها الأبرياء، لكنها ما تزال تناكف وتتحرّش وتُكابر، وستظل للأسف.

غبى من يُحسن الظن بلا شاهد أو دليل، وأكثر غباء من يردم قبر الماضى بدعوى الدخول فى العصر، فيما تفوح روائحه العطنة من كل شاردة وواردة، ولا تفلح الحيل والادعاءات فى سَتر ما فضحته الوقائع والأيام.

التأمت الإمبراطورية الفارسية على الديانة الزرادشتية قديما، وعلى المذهب الشيعى قبل نحو خمسة قرون.
نظام البرمجة واحد، وتختلف واجهة التشغيل فحسب، ولا فرق بين الإخمينية والساسانية والصفوية والشاهنشاهية، وصولاً إلى الخُمينية وعمائمها السوداء.

تُصر إيران على عَرقَنَة الماء، وإنطاق الخليج العربى بالفارسية قهرا. والطيبون قد يبتلعون الذكرى، إنما لا ينسون أن الضفة المقابلة كانت من طينة مُغايرة، وأعملوا فيها النار حتى جفّت وتشقّقت!

عُرفت باسم «برّ فارس»، أو الإمارات العربية على الساحل الشرقى. نحو ست أو سبع مشيخات احتُلّت ونُكّل بها بدءا من أواخر القرن التاسع عشر، بجشع قاجارى ثم بهلوى، وتحت بصر الإنجليز وتواطؤهم، وأشهرها إمارة المحمرة/ الأحواز.

ورث الملالى تركة الشاه وأسلافه، وجميعهم من عجينة واحدة. اغتُصب شط العرب من العراق مقابل التوقف عن دعم الأكراد، وكان الخمينى مقيما فى كنف البعث وقتها. قضم بهلوى جزر الإمارات الثلاثة، ومضغها الخمينى، ثم ابتلعها خامنئى.

تهب من التاريخ البعيد عاصفة تُذكّر بما أحدثه الفُرس فى الدولة العباسية، فيناطحها الحاضر بأصنامه الماثلة: تصدير الثورة، الممانعة والميليشيات، وإفساد أربع عواصم عربية مع استهداف المزيد.

لا تتنافس طهران مع محيطها على الموارد والفرص، إنما توجه كل طاقتها لسلبهم الشعور بالأمان، ثم المتاجرة فيه وبيعهم إياه، ولا تنشغل بخسائرها، طالما يخسر الآخرون أكثر منها، أو مثلها على الأقل.

دخلت الحرب مع إسرائيل، فقصفت عواصم الخليج أضعاف ما وجهت صواريخها لتل أبيب. أبرمت هدنة على شرط أن تسرق حقوقهم فى المضيق، وعندما اختلفت مع واشنطن مجددا، كثفت عدوانها ضدهم.. وليس خيار عجز، وإن كانت عاجزة فعلا، لكنه المُضمَر، وما طُوِىَ فى الصدر وظهّرته الأطماع!

لم تكن الجمهورية الإسلامية نائمة واستيقظت، ولا اكتشفت «هرمز» فجأة. عينها عليه منذ زمن بعيد، والحجة أنها وقعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، ثم رفضت التصديق عليها لأسباب دوّنتها فى عدة ملاحظات.


اختلفت على مبدأ المرور العابر، لتطلب الاستعاضة عنه بالعبور البرىء، ما يمنحها حق الفرز وتجنيب بعض القطع أو البلدان لاعتبارات تخص العداء أو الشعور بالخطر، لكن الأخطر فى مآخذها أنها ترفض الطبيعة الدولية، وتمسّكت بالسيادة الكاملة على المضيق بكل ما يترتب عليها من حقوق!

موقف مضى عليه أكثر من أربعة عقود، وكان بعد ثورة الخمينى بثلاث سنوات فحسب. وإذا جمعناه مع احتلال الجزر وإمارات الضفة الأخرى، فنكون إزاء امبراطورية قديمة تتثاءب، وتزحف ببطء لاستذكار القرون الخوالى، أو التسرب من شقوق الفرص السانحة لإرباك الواقع وانتزاع المكتسبات.

والنيّة المبيّتة لا تكفى لإعفاء الفاعل الأصيل. نام الوحش طويلاً، صحيح أنه كان يتحيّن الفرصة ليفغر فاه، إنما لا يُمكن إبراء ذمة مَن قرعوا الطبول بجوار أذنيه، وأيقظوه بلا تحسُّب للمآلات، ولا رغبة احتمال الأعباء.

الولايات المُتّحدة شريك مُباشر فى مأزق الإقليم. سبعة عقود من الارتباك والإرباك، دعم ظالم للصهيونية الإبادية المتوحّشة، لعبٌ مع الشاه بخفّة، ثم رقصٌ مع الأُصوليين برعونة:
أربع حروب خليجية، إيران كونترا، حرب الناقلات، تلزيمها لبنان من بوابة الأسد ثم بالأصالة عبر الحزب والحرس، وفتح طريقها لابتلاع العراق واليمن.. دبلوماسية أوبامية تزيدها شراسة، وخشونة ترامبية تمدّها بالوقود والهالة والدعايات.

وضعت واشنطن مصالحها قبل الجميع دومًا، إنما الجديد أنها قدّمت الدولة العبرية على حلفائها العرب، وعلى أمن المنطقة واستقرارها.
انزلقت لحرب غير محسوبة، ولا تعرف طريق الخروج، وتنشغل بتحميل كُلفتها للآخرين، وغالبا ستُخلّى الطريق بين المُعتدى والمُعتدَى عليهم، أى لن تلتزم بترتيب العلاقة بين ضفّتى الخليج الآن أو لاحقًا.

سالت المنطقة وانكسر القالب، فلن تتجمّد على حالتها الأولى. تحتاج إلى رؤية مُغايرة، ومنظومة أمنية أكثر ديناميكية وشمولاً، وإنتاج توازنات من داخلها تُحدد المُتون والهوامش مع القريب والبعيد، وقبل كل هذا وضع السيناريوهات الأسوأ، والسير فيها بيقظة واعتدال.

الإمبراطوريات قد تنكسر، لكنها لا تنسى أزمنة الأُبّهة والانتفاخ. إيران لن تتغير طالما لم تقتنع بأن تكون دولة طبيعية، ولديها طابور خامس يزرع خرائط المنطقة طولاً وعرضا.

الولايات المتحدة تسير إلى «فخ ثيوسيديدس». يلوح لها الخطر من زاوية أُخرى، فتُطمئن نفسها على أعتابنا، وحتى إن توافرت لديها إرادة التغيير، فستكون حذرة تجاه كل ما ينقل عنها صورة هشّة، أو يُغرى بها الأعداء والمُنافسين.

عدوّان كانعكاس الوجه فى المرآة، صقور كل طرفٍ لا تختلف عن حمائمه، وتباينهم فى اللهجة لا المعنى، فى إيقاع الحرب لا عليها، وفى مقدار التنكيل بالضحايا لا استنكار الفعل الشائن!

المنطقة على حالها حتى الآن، لكنها لن تبقى طويلاً.. ستظل المحنة قائمة إلى أن ينتصر أحدهما، فتزداد قسوةً وتعقُّدًا، طالما الكُتلة الوازنة مسترخية على مقاعد الجمهور، ما اقتحمت الملعب، ولا فرضت قرارها على اللاعبين، وهى قادرة على الأمرين معًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة