محمد نبيل محمد

حكايات الولاد والارض 21

زوجة الشهيد هيثم فتحى: كان يعشق الشهادة ونالها فى سيناء وعاد يحتضنه العلم

الخميس، 02 يوليو 2026 12:00 ص


ما بين قضبان السكة الحديد الممتدة ناحية الأمل، والنيل الجاري بالحكايات والأحلام، ذلك النيل الذي ما زال شاهدًا على أول لقاء بيننا، كان لقاءً غير مرتب، وكانت أصوات اقتراب صافرات القطارات، التي كانت تدل على توقيتاتها، هي أيضًا مواقيت اللقاء المتفق عليه.

ومع بدايات ساعات النهار، كان اليوم الأول من الدراسة بكلية الهندسة بجامعة المنيا. كنت أقرأ في روايات إحسان عبد القدوس عن الحب من أول نظرة، وككل البنات، كنت أحلم به رغم قيود العادات والتقاليد لدينا في صعيد مصر. لكنها كانت بارقة أمل تتسرب إليّ كلما عاندت تلك التقاليد، متكئة على بلدي، «عروس الصعيد»، ويكفيها هذا الاسم الذي تُكنى به ليمنحني بعض الأمل.

وازداد الحلم صعوبةً حين كان بطله فارسًا يأتي على صهوة جواده ويطلب يدي. ويبدو أنني مرضت بأحلام اليقظة، فالمستحيل كان يكمن في مقابلة ذلك المعنى: الحب من أول نظرة. وازداد المستحيل تعقيدًا بأن يكون بطله فارسًا.

وفي النهاية، هي أحلام، مجرد أحلام، لا أستطيع منعها، فهي القادمة من مناطق اللاوعي، فكيف لي أن أتحكم فيها أو أحاكمها على زيارتها لي من آنٍ لآخر؟ وهي ضيفتي المحببة التي تأتيني - بكرم - بما أتمناه، وإن كان مستحيلًا.

ومع رقرقة ماء النيل الصافي، وهدير ذلك القطار الذي اتفق معي على الوصول إلى الجامعة في الثامنة صباح كل يوم، كنت أسمع منهما سيمفونية عذبة تجعلني مفعمة بحالة حالمة، ومتفاءلة أيضًا، ولا أعلم سببًا منطقيًا أو علميًا لما أنا عليه كل يوم. لكنني أعلم أن الأحلام لا تؤمن بالمنطق، ولا تنتهج العلم، فهي فقط من صنع الخيال، وما أجمل الأحلام التي نسجها خيال البراءة والبدايات.

وتقاطعت نظرةٌ منه مع جدول المحاضرات الذي كنت أنتظر الإعلان عنه بشغف، لم يكن سببه - فقط - الانتظام في الدراسة، بل كنت أستشعر أيضًا أن بداياتي في الكلية ستحمل لي مفاجأة.

وما إن انتهيت من تدوين جدول المحاضرات، والتفتُّ إلى يساري، ناحية الفؤاد، الذي كان ما زال فارغًا، حتى امتلأ بصورته. هو من كنت أحلم به، وهو من كانت تصفه لي صديقاتي بـ«فارس الأحلام».

سرحت طويلًا، لعدة سنوات، حتى رحت معه وغدونا نبني بيتًا، ونزرع طفلًا، وأشياء جميلة، وشيئًا ما كان صعبًا!

حدثني طويلًا عن أحاديث كنت أرشف منها السعادة، إلا حديثًا واحدًا علمت منه عشقه لأخرى تُدعى «سيناء». ولا أعلم لماذا وافقت على هذا الشرك! لكنني، في استسلام غريب، رضيت.

ووجدتني قد عدت من حصائد تلك الأحلام، التي لا تتحقق أبدًا كما بدأناها، عدت بتلك النظرة الطويلة لذلك الفارس... وحيدة! ليس معي سوى فؤادٍ عاد - هو الآخر - فارغًا بعدما فارقه قلبه.

ليت تلك الأحلام الحبلى بالحزن لم تزرني، ولم تصادقني، وليتني رضيت بالأسر في قيد عادات وتقاليد بلدتي.

كبراعم العشب الصغير، التي ما زالت في مهدها، لا تقوى حتى على مداعبة النسيم، ولم يحملها جذر بعد، كانت شابةً صغيرةً جدًا على أن تحمل في داخلها كل هذه الأحلام الموؤودة، وتلك الأحداث السافكة للأحلام!

بطلة، رغم إرادتها، ورثت البطولة من أمهاتها سيدات الصعيد. البطلة سمر، زوجة الشهيد النقيب هيثم فتحي محمد أحمد، تحكي عن حبها الموؤود من أول نظرة:

"وُلد هيثم في 28 فبراير 1991 بقرية صفط الخمار بمحافظة المنيا. وكغيره من أبناء الصعيد الذين هاجروا مع أسرهم منذ سبعينيات القرن الماضي طلبًا لرغد العيش بعيدًا عن شظف الحياة في صعيد مصر، عاش هيثم طفولته كلها في المملكة العربية السعودية مع والده ووالدته وإخوته. كان والده يعمل هناك حاصلًا على بكالوريوس التجارة، وكانت والدته معلمة لغة إنجليزية. وكان هيثم أكبر إخوته، ويليه شقيقاه محمد وأحمد، ثم أخته الصغرى.

عاش حبيبي هيثم طفولته في السعودية، ودرس المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية هناك، وكان متفوقًا جدًا، ومتميزًا منذ طفولته المتقدة. وكان المركز الأول دائمًا من نصيبه، إذ واظب على الاجتهاد، واعتاد الإخلاص في البذل في جميع أعماله، كما حفظ القرآن الكريم.

وعاد الطائر المهاجر، بعد قرابة سبعة عشر عامًا، إلى عشه في صعيد مصر، بمحافظة المنيا. ورغم ابتعاده عن وطنه طوال تلك السنوات، فإنه ظل يحمل في داخله صفات الفروسية التي كنت أحلم بها، فجاء ليحقق حلمه الأول بالالتحاق بالكلية الحربية، إذ كان يحلم بأن يصبح ضابطًا في الجيش.

لكن الأحلام التي نبدأها لا تتركنا دائمًا ننهيها كما أردنا. فتقدم الشاب، واجتهد في اجتياز الاختبارات، ورغم تفوقه الدراسي ولياقته البدنية العالية، وكان أيضًا محترفًا لكرة القدم، ولم يكن يمارسها كبقية الآخرين للتسلية أو لملء أوقات الفراغ، بل لأنه كان يجيدها باقتدار، حتى أصبح فيما بعد عضوًا بالفريق الأول لنادي المنيا الرياضي.

وهكذا كنت أراه قادرًا على فعل كل شيء بنجاح، إلا أنه الحظ والنصيب، كما يقولون عندما تعاندنا الأحلام في تحقيقها، فلم يكن له نصيب في الالتحاق بالكلية الحربية.

ولأن مجموعه كان مرتفعًا نتيجة تفوقه الدراسي، التحق بكلية الهندسة بجامعة المنيا، وانضم إلى قسم الهندسة الكيميائية، وتفوق فيه على أقرانه كما اعتاد. وكان من دفعتي في الكلية، ومن هنا بدأت قصة الحب من النظرة الأولى.

ورغم أنه لم يكن فارسًا آنذاك، فإن حديثه عن القوات المسلحة بفخر، ورغبته في الالتحاق بالجيش حتى بعد أن ينهي دراسته، كل ذلك جعله في نظري فارسًا.

وقبلت بخطبته قبل انتهاء الدراسة بالكلية، لأنه الحب الذي يتخطى الحواجز التقليدية، وتم عقد القران في هدوء وتفاهم بيننا، وبرضا الأسرتين الكامل، وكان ذلك بعد حصولنا على بكالوريوس الهندسة عام 2014.

ولم يمض على الزواج سوى شهرين، حتى جاء الاختبار الثاني لاكتشاف صلابة ومتانة هذا الحب العصي، وكان ذلك مع موعد أداء الخدمة العسكرية. فتقدم حبيبي ليكون من الضباط الاحتياط، ورفض محاولات أسرتينا لتحويله إلى مجند، وأصر على أن يؤدي خدمته ضابطًا احتياطًا، لشدة حبه للجيش.

وبالفعل، قُبل ترشحه، والتحق بكلية الضباط الاحتياط بفايد، وكنت أزوره خلال فترة المستجدين مع أسرتينا، وكم كنت سعيدة لأنه حقق جزءًا من حلمه. ما أقسى تلك الأحلام التي تحاصرني!

ومضت الأشهر الستة سريعًا، وتخرج بعدها حبيبي ملازمًا احتياطًا، الدفعة (147)، ثم التحق بسلاح المهندسين العسكريين، وتم توزيعه على وحدة إزالة الألغام بجنوب القاهرة، وترقى إلى رتبة الملازم أول في كتيبته.

وبعد عدة أشهر بدأت مأمورياته في سيناء، لإزالة الألغام من الطرق الرئيسية والمدقات الفرعية، التي كان التكفيريون يزرعونها في الطرق المحتمل مرور عناصر الجيش عليها.

وتدرب على إزالة الألغام ونال فرق متقدمة فى إكتشاف وإزالة وتفكيك الألغام وإيجاد حلول سريعة وعلمية لتفكيكها, وإبطال مفعولها، ولذكائه المتقد كان سريع الاستيعاب لأنواع الألغام المختلفة البدائية التقليدية منها والمعقدة المتطورة, والتى تشى عن أن هؤلاء التكفيريين ما هم إلا مجرد أدوات وعملاء لأجهزة مخابراتية متقدمة! وهكذا كانت تحليلات حبيبى لى عندما يتحدث عن بعض عمله – وبحذر – عن سيناء شريكتى فى حبه التى ارتضيت بها.
فى البداية كانت مأمورياته برفح وإتنقل إلى أماكن مختلفة وعديدة منها عند المعبر الأول, وبعدها عند الساحة, وغيرهما, وهو- طبعا– لم يكن يتحدث كثيرا عن تفاصيل مأمورياته فى سيناء التى زادت فى الفترة الأخيرة نظرا لإتقانه عمله فى إزالة الألغام.


حبيبى هيثم كان بصفة دورية أو تقريبا يوميا يخرج مع زملاءه فى مهام تمشيط الطرق لإكتشاف الألغام وإبطالها, وفى بعض الأحيان يتطلب الأمر السير لمسافة 40 كيلومتر, وكان يقوم مع قادته وجنوده بمداهمات وكمائن ناحية الإرهابيين, وكنت استشعر انتصاراته من نبرة صوته عندما يتحدث إلى فى التليفون وأعلم دون أن يصرح هو بأنه شارك فى القبض أو قتل العناصر التكفيرية, كانت فرحته وسعادته عند مقتل هؤلاء التكفريين إنتقاما لزملائه الشهداء، وفرحته الأكبر عندما يكون فى مداهمة مع جنوده وزملاءه ويرجعوا بالسلامة دون أن يستشهد أو يصاب منهم أحد, وكنت أعرف حزنه الشديد عندما يستشهد أحدا من جنوده أو قاداته أو زملاءه, حتى إنه كان يبكى عليهم كالطفل, ولا يسكت بكاءه إلا عندما يقسم أن يثأر للشهداء أو يلحق بهم, وتلك كانت الجملة التى لم أعتاد سماعها من قبل, لكنها كانت لى مدوية وقاتلة، وتساءلت: هل هو بحق يسعى للشهادة, وأنا أعلم عنه أنه يفعل دائما ما يريد، ويجتهد فى سعيه لهدفه, فلم أذق للنوم طعما بعد حديثه الأخير عن الشهادة, ولكن غرسنا وزرعنا إبننا "آسر" ما زال لم يكمل عامه الأول بل لم ينتصف هذا العام بعد, ماذا أفعل ؟ أمام هذا الطموح الذى يحلم به حبيبى ؟ وعهدى بالأحلام أن كثيرا منها ما يتحقق, إذا صدقت النوايا وصفت السرائر. 
هيثم حبيبى كان يعشق الجيش المصرى, وكان يخطط لإلتحاق بالكلية الحربية من جديد ضمن إعلانها عن دفعة جديدة من الضباط المتخصصين, ودائما ما يقول عنه: من أحسن جيوش العالم, ويا ويل من كان يتفوه ببنت شفاة عن معشوقته سيناء التى يغار عليها علانية, وجهارا.
عاد هيثم حبيبى للعريش فى منطقة بئر لحفن لمدة أسبوعين, ثم جاءنى فى إجازة, وفى هذه الإجازة تقريبا لم يترك بيت لقريب أو صديق إلا وزاره, سبحان الله وكأن حبيبى "البطل" يودع أحبابه ومعارفه.
وبعد أسبوع غادر المنيا إلى سيناء التى كان يجهز لها حقيبته من ليلة السفر مبكرا وتفضحه علامات النشوة والسعادة كطفل عائد لأمه, وفى أثناء وجوده في رفح مر بظروف صحية إضطرته لإجراء عملية جراحية, نال على إثرها إجازة لمدة شهر, وكان من المفترض عودته من مأموريات سيناء نهائيا إلى جنوب القاهرة فى حلوان بكتيبته الأساسية , لكن لأمرين, الأول: حبه الشديد لسيناء ورغبته فى الثأر من التكفيريين, والثانى: خبرته الكبيرة فى إزالة الألغام, وهذا ما صرحه لى، لكننى كنت أعلم ما يسره عنى هذا الفارس الذى إجتهد فى نيل الشهادة حتى أنه كرر فى التليفون لأصحابه ولم يعلم بسماعى لمكالمته معهم ,إنه: "حزين على عدم لحاقه بالأبطال فى سيناء, وأنه يحلم بالشهادة، ولا يستطيع العودة للقاهرة، ولن تمنعه تلك العملية الجراحية من تحقيق حلمه".
كان كل أمنيته يشوف إبنه, وعندما كنت حامل فيه, وربنا حقق له حلمه, وأسماه آسر, وهذا الطفل لم يكتب له أن يدرك أباه فقد استشهد حبيبى هيثم وآسر عمره 6 أشهر.
... حبيبى هيثم لم يكن له مثيل فى حنانه, وطيبة قلبه, وحبه لكل الناس, وكان بيتمني الخير لكل من يعرفهم ومن لا يعرفهم, ... حبيبى هيثم كان يٌضرب به المثل فى الاخلاق, والاحترام, ولم أعهده ولو لمرة واحدة تحدث بسوء عن أحد إلا هؤلاء التكفيريين لأنهم نجسوا سيناء، وكانوا سببا فى استشهاد أبناء وطنه, وهكذا كان يقول عنهم، ولم أعهده ولو لمرة أن يأذى أحدا -ابدا - حتى لو بكلمة, وكان يحترم الصغير والكبير, وكان محافظ على صلاته, ودائما فى أوقاتها, ولا يفارقه المصحف قط, حتى قبل استشهاده كان دائما في المسجد يصلى, ويقرأ القرآن بعد ما ينهى عمله, حبيبى هيثم كان دائما راضى بقضاء الله من كل قلبه بإيمان قوى, كنت أراه - بحق - ملاك يمشى علي الأرض.
لكنها الأحلام لا تتحقق كاملة كما نريد فقد أبت إلا أن تمنعنى من حياة كنت أحلم بها مع فارس أحبه من أول نظرة, وأثر إنفجار عبوة ناسفة فى أثناء تمشيط فارسى لطريق متوقع زرع ألغام به,  واستشهد في يوم الثلاثاء 9 اغسطس 2016 وإرتقت روحه الطاهرة كما أراد من سيناء ووسط أحبابه من الجيش وإلى أحبابه ممن سبقوه بالإيمان, وعاد "الحلم" ملفوفا بعلم بلاده يرقد فى قريتنا الصغيرة صفط الخما التى وسعها بقلبه المحب, وترك لى صورة قبل عودته من إجازته إلى سيناء مع إبنه آسر لتكون آخر ما تبقى لى منه... فارسى الذى أحببته من أول نظرة.

الشهيد البطل  هيثم فتحى
الشهيد البطل هيثم فتحى

 

الشهيد البطل
الشهيد البطل

 

الشهيد هيثم فتحى وزوجتة
الشهيد هيثم فتحى وزوجتة

 

الشهيد هيثم فتحى
الشهيد هيثم فتحى

 

بطل سيناء الشهيد البطل هيثم فتحى
بطل سيناء الشهيد البطل هيثم فتحى

 

بطل على أرض مصر
بطل على أرض مصر

 

صورة الشهيد هيثم فتحى
صورة الشهيد هيثم فتحى

 

هيثم فتحى
هيثم فتحى

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة