المظهر جزء أصيل من الحكاية؛ قد يُتمّم الجوهر، أو يُفسده. وما نراه على امتداد مصر، فى المشروعات الصغرى قبل الكبرى، وفى الاجتماعى قبل الاستثمارى، أن الدولة مُهتمّة بالتنسيق والتناسق، وتَجِدّ بكل السبل لإحسان مُطابقة الشكل بالمضمون.
غير أن ميراث البيروقراطية المصرية طويل عتيد، يتجذّر فى الأرض، ويُقاوم جهود الإصلاح والتحديث بكل ما وسعته الحِيَل؛ وأشد ما يتجلّى فيه الأمر على محور الإدارة المحلية، ولدى الأحياء بالتحديد.
منذ صدر قانون انتظار المركبات، رقم 150 لسنة 2020، وعرفناه من وقتها بالاسم الشائع "قانون السايس"، وأنه مُوجّه بالأساس لفوضى المُنادِين وما يُربكون به الشوارع، تضييقا على المارة، أو استغلالا لأصحاب السيارات.
مضت الأحوال بوتيرة طبيعية، وانتظم الإيقاع فى كثيرٍ من الساحات والمناطق الرئيسية، وما تغيّر شىء فى الأحياء السكنية وشوارعها الجانبية الهادئة، وهكذا طبائع الأمور، وما كان يجب أن يستمر.
ويبدو أن فئةً ما كانت نائمة واستيقظت؛ إذ تفشّت حولى خلال الأسابيع الأخيرة ظاهرة زرع الأرض بالخوازيق والحواجز، وإغلاق واجهات البنايات ومداخلها، لصالح المقاهى والمطاعم وأصحاب المحلات.
أتحدث بالأساس عن حى المقطم، ومنطقة الهضبة الوسطى بأحيائها المُتعددة. وسمعت شكاوى من أصدقاء فى مناطق أخرى، شعبية وراقية، وأحسب أن المسألة تستحق التوقف إزاءها، إداريا وقانونيا وعلى كل المستويات.
سأستعير القصّة التى كُنت طرفًا فيها؛ لأنها متكررة فى الغالب، وتصلح للتعميم. شخص يُقرر أن يُميّز نفسه، أو يُخصخص العام لحسابه، فيستغل صياغة قانونية مُرتبكة، وجهة إدارية تتعسّف فى فهم القانون وتطبيقه؛ والنتيجة صورة غير حضارية، ووضع مُزعج.
خُطِّطت المنطقة كلها لتكون من أربعة طوابق فوق الأرضى؛ لكنها عُرِفَت منذ بداياتها قبل عقدين أو يزيد بالمخالفات، ويندر أن تجد مبنى مُطابقًا للاشتراطات، أو مقاولا كان يلتزم بالارتفاعات المُحددة.
الجراجات كلّها بِيعَت لأنشطة حِرَفية وتجارية، وبعضها مخازن تمتلئ بمواد خطرة. وتلك يُسأل فيها الحى أوّلاً، ويجب ألا يُداوى خطيئته فيها بخطأ أكبر اليوم.
أحضر جارنا إطارات سيارات وأخشابًا ليحجز مكانا؛ ولمّا اعترضنا أزالها مضطرًّا، ثم بعد أيام وجدناه يحضر مع حفنة موظفين، ويدقّ متاريسه مُعلنًا مصادرة المجال العام.
والمُفارقة فى الحالة التى أتحدث عنها مثلاً؛ أنّ مُرتكب السلوك اشترى سطوح العمارة المُقيّدة بنسبة بناء 50% فقط؛ لكنه بناها بالكامل. بدأ بمخالفة، وحاول التكرار؛ ثم استعان بالقانون وفق فهمٍ خاطئ؛ ليُشوّه العُمران ويغتصب حقوق الجيران.
ابتسمت عندما رأيته يحضر قُرب منتصف الليل مع ثلاثة رجال؛ فلم أعرف هل تعمل الأحياء حتى هذا الوقت، أم أنه نشاط خاص للموظفين تحت الصفة الرسمية، أم الأسوأ أن يكونوا أصدقاء عاديين ومارسوا نشاطا فى الشارع لا يحق لهم أن يُمارسوه!
المشكلة أن الأسياخ المُطوّقة بسلاسل عديدة تبتلع الشارع، تُضايق المارة من الأمهات والأطفال، وتُشوّه الصورة فى شارع جانبى عريض، ولا مُبرّر فيه لمثل تلك الأفعال.
القانون يتحدث عن حجز الأماكن من خلال الأحياء برسوم، وأعتقد أنها يجب أن تظلّ مُقيّدة بالضرورة؛ كأن تكون لخدمة مستشفى أو مكان ذى نفع عام، أو لسيارة مُجهّزة وحالة من ذوى الإعاقة مثلاً.
أمّا التوسُّع على الإطلاق؛ فإنه يُشيع العشوائية والقُبح، يغتصب الحقوق، ويُضايق الناس بلا سبب، فضلاً على مخاطره العملية، وقد تعثّرت فى الحاجز الضخم مرّة، وكادت ابنتى ذات الأربع سنوات أن تسقط على أحد أسياخه الحادة.
الشارع ملكيّة عامة، والانتفاع به يجب أن يكون على المشاع. أمّا الحجز بسلاسل وأقفال؛ فإنه يُشخصن العام بلا أحقية، ويحوّله إلى ملكيّة خاصة، وذلك نتاج قراءة قانونية خاطئة بالكُليّة، فضلاً على أنها غير دستورية من أى وجهٍ!
صورة قبيحة فعلاً، واغتصاب غير مشروع لحقوق الغير، واعتداء من الإدارة المحلية على المجال العام المشترك، بدلاً من أن تحميه، ومن أن تكون حارسًا لجماله وتناسقه.
الجمال روح ورائحة، وسلوك يشيع بين الناس بقدر ما يرونه ويتذوّقونه فى كل التفاصيل.
وإذا لم تكن الأحياء أمينة عليه؛ فإننا فى حاجة لتفعيل أدوار بقية الجهات، كجهاز التنسيق الحضارى وجهاز تنظيم الإعلانات وغيرهما.
أو ابتكار آلية رقابية تتبلع لمجلس الوزراء، وتكون مهمّتها حماية الذائقة والصورة، وترغيب الناس فى الحُسن، وإبعادهم عن القُبح بكل الوسائل والأدوات.
كان اللسان الجمعىّ بليغًا عندما أسماه "نهر الطريق"؛ وليس لأحد أن يُعطّله أو يقطعه، أو يمنع سواه من السباحة فيه، ويُبقيه مُغلقًا لفائدته الخاصة، سواء كان حاضرًا أو غائبًا! والمشكلة أكبر من شخص للأسف؛ فتجربة واحدة قد تجرّ وراءها العشرات!
سيسعى فريق لتقنين اغتصابهم للملكية العامة، ويتشجع آخرون على مُحاكاتهم، وتخاف فئة ثالثة من فقدان موطئ القدم؛ لتنتهج الخطوة نفسها اضطرارًا، وتنتهى الحال إلى غابةٍ من الخوازيق والسلاسل والتشويه المُنفّر.
فى حالتى؛ أخطرت الجيران بأننى سأتخذ الإجراءات القانونية، بدءا من اختصام صاحب السلوك ومَن أعانه من الموظفين، وصولاً لتحريك دعوى قضائية، والدفع بعدم دستورية المادة التى يستندون إليها.
ويا حبّذا؛ لو التفتت الوزيرة الدؤوب منال عوض، وسدّ مجلس الوزراء تلك الثغرة، ووفّر علىّ وغيرى مغبّة اللجوء إلى المحاكم، ومزاحمة قضايا وشواغل أهم من ذلك لدى الناس والقُضاة.
والأهم أنهم سيحرسون جهود الدولة الجليّة فى التخطيط والعمران وشبكات المرافق، سيُعززون ثقة الناس فى الإدارة التنفيذية، ويُعينونهم على التزام القانون.
كما سيُشجّعون الصغار والكبار على التصدّى للقبح، ولكلِّ ما يخصم من جمال هذا البلد، ومن دأب المُخلصين فيه للوصول به إلى ما يستحقه، اليوم وغدا، وعلى الدوام.