في زمن لم تكن فيه الشاشات "ذكية" بما يكفي لعزلنا، بل كانت "دافئة" بما يكفي لجمعنا، كان هناك ميقات مقدس للبيوت لا تخطئه عقارب الساعة؛ إنها الثامنة مساءً، الموعد الذي لم يكن مجرد رقم على وجه الساعة، بل كان إشارة البدء لطقس "الالتفاف المقدس" حول شاشة التلفاز الرمادية، حيث الصندوق الخشبي العتيق يتحول فجأة إلى مغناطيس بشري يجذب أطراف العائلة من شتات اليوم ومشاغله.
لم يكن الجلوس أمام الدراما مجرد تسلية عابرة أو تزجية للوقت، بل كان "التفافاً" حقيقياً تتلاحم فيه الأكتاف وتتلاقى النظرات، في مشهد يجسد أسمى معاني التجمع العائلي؛ فبمجرد أن تتهادى موسيقى التتر الشهيرة، يحل الصمت المهيب في الصالة، وتتحد المشاعر في اللحظة ذاتها؛ فتسمع زفرة حزن جماعية مع انكسار البطل، أو ضحكة موحدة تنطلق من أعماق القلوب مع قفشة كوميدية، كأنما تحولت العائلة إلى جسد واحد ينبض على إيقاع المخرج وينفعل برؤية الكاتب.
هذا التجمع الحميمي كان يمنح الأسرة طاقة نفسية هائلة؛ إذ لم يكن المشاهد يتابع قصته بمفرده في عزلة غرفته وهاتفه، بل كان يرى انعكاس مشاعره في عيون إخوته وأبويه، كانت الحكايات الدرامية المنسابة من الشاشة بمثابة مرآة تطرح قضايا المجتمع، فتفتح بين الفينة والأخرى أبواب الحوار الهادئ بين الآباء والأبناء، وتُمرر القيم الأخلاقية والصحبة الصالحة في ثنايا الأحداث دون وعظ مباشر أو تلقين جاف.
لقد كانت "دراما الثامنة" وسيلة لإعادة ترميم التصدعات اليومية التي تسببها ضغوط الحياة؛ فخلف هذا الالتفاف البسيط كانت تختبئ رغبة غير معلنة في الطمأنينة، ويقين بأن متعة الحكاية لا تكتمل إلا بشركاء العمر.
إنها نوستالجيا زمن الشاشة الواحدة التي كانت تلم الشمل، قبل أن تتعدد الشاشات وتتفتت معها التجمعات، ليظل ذلك الطقس العتيق شاهداً على أن بركة البيوت كانت تكمن في قدرتها على الاتفاق، كلما حان موعد الالتحاق بنور الشاشة.